الاستجابة الإنسانية المتكاملة ضرورة لمواجهة نزوح النزاعات والمناخ

في حوار مع «غراس» يناقش السيد يوسف جاي، مستشار مركز رصد النزوح الداخلي ضرورة تبني استجابة إنسانية متكاملة لمواجهة النزوح الناتج عن الصراعات وتغير المناخ.

السيد يوسف جاي، مستشار سياسات أول في مركز رصد النزوح:

حوار مع السيد يوسف جاي، مستشار سياسات أول في مركز رصد النزوح

في هذه المساحة نفتح باب الحوار حول التقاطعات الحرجة بين الأزمات الأمنية والصدمات البيئية، وكيف تفرض هذه المعادلة المعقدة إعادة تعريف الاستجابة الإنسانية لتتجاوز الإغاثة العاجلة نحو حلول تنموية ومناخية أكثر استدامة.

ولمناقشة هذا المشهد وتفكيك ثغراته، تستضيف “غراس” في حوار ملف العدد: السيد يوسف جاي، مستشار سياسات أول في مركز رصد النزوح الداخلي (IDMC) التابع للمجلس النرويجي للاجئين، ليشاركنا رؤيته حول الفجوات التمويلية، ودور ترابط العمل الإنساني والتنموي والمناخي في كسر دوامة النزوح اللامتناهية.

النزوح المتداخل

  • تعدّ الصراعات المسلحة والظواهر المناخية الحادة عوامل متداخلة في تشكيل أنماط النزوح المعاصر. كيف أسهم هذا التداخل في تفاقم المعاناة الإنسانية التي يعيشها النازحون داخليًا مقارنة بالماضي؟

على الرغم من أن مركز رصد النزوح الداخلي (IDMC) ينشر تقاريره حول النزوح الناتج عن الصراعات والنزوح بسبب الكوارث بشكل منفصل، إلا أن الواقع يُظهر تفاعلًا مباشرًا بينهما، بما يؤدي إلى مضاعفة الهشاشة وتعقيد الأزمات وإطالة أمد النزوح وتقويض قدرة النازحين على الصمود.

ووفقًا للتقرير العالمي للنزوح الداخلي لعام 2025، فقد تضاعف عدد الدول التي شهدت نزوحًا ناتجًا عن “الصراع والكوارث معاً” ثلاث مرات منذ عام 2009، ففي الواقع، 45 من بين 49 دولة وإقليم تم رصد النزوح الناتج عن الصراع فيها في عام 2024 شهدت أيضًا نزوحًا بسبب الكوارث، كما هو الحال في جمهورية الكونغو الديمقراطية، ونيجيريا، وموزمبيق، وميانمار، واليمن.

كما يُظهر تحليل بيانات مركز رصد النزوح الداخلي ومبادرة نوتردام للتكيف العالمي (ND-GAIN) أن أكثر من ثلاثة أرباع النازحين داخليًا بسبب الصراع والعنف حتى نهاية عام 2024 كانوا يعيشون في بلدان تُصنَّف ضمن عالية الهشاشة أو شديدة الهشاشة أمام أمام التغيرات المناخية.

ويؤدي تداخل المخاطر المناخية مع أوضاع الصراع كذلك إلى ظاهرة النزوح المتكرر؛ إذ تصبح المجتمعات التي نزحت سابقًا بسبب النزاع أكثر عرضة للكوارث المناخية، ويمكن أن يطول نزوحهم بسبب الكوارث. ففي موزمبيق وميانمار، على سبيل المثال، ضرب إعصارَا “تشيدو” و”ياغي” مناطق تسكن فيها مجتمعات كانت تعاني أصلاً من مرارة النزوح القسري بسبب النزاع والعنف، مما أدى إلى تمديد فترات نزوحهم وتعقيد سبل تعافيهم.

ومع توقّعات باستمرار تصاعد شدة الكوارث بفعل تغيّر المناخ، وما يتبعها من موجات نزوح متكررة، وفي ظل تزايد وتيرة الصراعات وحدّتها، تبرز الحاجة الملحّة إلى تعزيز الصمود في الدول الهشّة والمتأثرة بالنزاعات.

مخاطر مضاعفة

  • يشهد العالم تزايدًا في حالات النزوح المتكرر، حيث يُجبر الناس على مغادرة أماكن لجوئهم أكثر من مرة. إلى أي مدى بات تغيّر المناخ عاملًا رئيسيًا في هذا النمط، وليس مجرد عامل ثانوي؟

النزوح ظاهرة متعددة الأسباب، ونادرًا ما يكون تغيّر المناخ وحده العامل الوحيد أو الأساسي فيها؛ إذ يعمل بوصفه مضاعفًا للمخاطر، حيث يؤدي إلى تفاقم أوجه الهشاشة القائمة وزيادة حدة مواطن الضعف.

وتؤثر العوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في تحديد من يتعرض للخطر، ومن يحظى بالحماية، ومن يُضطر إلى النزوح. فـالفقر، وعدم المساواة، وضعف الحوكمة، والتهميش كلها تزيد من حدة التأثر بتداعيات التغير المناخي، ومخاطر النزوح.

كما أن عدم تكافؤ الوصول إلى أنظمة الإنذار المبكر والبنية التحتية ووسائل الإخلاء يلعب دورًا حاسمًا في تحديد حجم المأساة؛ حيث أظهر إعصار “كاترينا” (2005) بوضوح كيف تكبّد سكان مدينة ‘نيو أورليانز’ من الفقراء وذوي البشرة السوداء، الأضرار الأكبر، وذلك بسبب افتقارهم إلى الموارد والوسائل اللازمة لإخلاء المدينة.

إن التغير المناخي يعمل على زيادة وتيرة وشدة الظواهر الجوية المتطرفة، مما يضاعف من مخاطر وقوع حالات نزوح متكررة أو طويلة الأمد.

دمج لابد منه

  • يعيش العديد من النازحين داخليًا في بيئات تعاني أصلًا من ضغوط بيئية ومناخية شديدة. كيف ينعكس ذلك على قدرتهم على إعادة بناء حياتهم، وتحقيق الاستقرار، أو السعي في نهاية المطاف إلى العودة الآمنة إلى ديارهم؟

يلعب مكان استقرار النازحين داخلياً، الذين استُنزفت قدرتهم على الصمود بفعل النزاعات، دوراً حاسماً في رسم ملامح تعافيهم. فاختيار بيئة الاستقرار لا يحدد فرص التعافي فحسب، بل قد يساهم في تعميق الهشاشة وزيادة مخاطر النزوح طويل الأمد. ففي كثير من الحالات، تصبح سبل العيش أكثر هشاشة، وتؤدي المنافسة على الموارد المحدودة إلى تصاعد التوترات مع المجتمعات المضيفة، مما يجعل الوصول إلى حلول دائمة — بما فيها الاندماج المحلي — أكثر تعقيدًا وصعوبة.

ومن هنا تبرز أهمية دمج التكيّف المناخي في الاستجابة للنزوح الداخلي، والاستثمار في التخطيط الحضري والبنية التحتية السلمية، ولا سيما مع تزايد الطابع الحضري للنزوح، إضافة إلى دعم المجتمعات المضيفة بالتوازي مع دعم النازحين، تعزيزًا للتماسك الاجتماعي. وهذا يعني التعامل مع النزوح كقضية تنموية ومناخية، وليس مجرد أزمة إنسانية.

مساران منفصلان 

  • هل لا تزال الاستجابة الإنسانية الدولية تتعامل مع النزوح الناتج عن الصراعات والنزوح المرتبط بالمناخ كمسارين منفصلين، أم أن الواقع الميداني بات يتطلب نهجاً أكثر تكاملاً وشمولية؟

على الرغم من الأدلة المتزايدة على تداخل النزوحين المناخي والناتج عن الصراع، لا تزال الاستجابة الإنسانية تعتبرهما مسارين منفصلين جزئياً؛ وذلك لاندراجهما تحت أطر قانونية، وقنوات ودورات تمويل، وولايات مؤسسية مختلفة، كما أقر بذلك الفريق الرفيع المستوى التابع لأمين عام الأمم المتحدة المعني بالنزوح الداخلي عام 2021.

إن الواقع المتشابك على الأرض يفرض اليوم تبنّي نهج أكثر تكاملًا وشمولية، وبالتالي أكثر استدامة، في التعامل مع قضية النزوح بأكملها، في مجالات العمل الإنساني، والتنمية، وبناء السلام، وبشكل متزايد، العمل المناخي.

نقص التمويل

  • في ظل هذا المشهد المعقد، ما هي أبرز الفجوات في الحماية والمساعدات عندما تتقاطع الأزمات الأمنية مع الصدمات المناخية؟

وفقاً لتقرير “لا مفر” (No Escape) الصادر عن مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فإن نقص التمويل الإغاثي في الدول الهشة والمتضررة من النزاعات يقوض القدرة على حماية سبل عيش السكان وتعزيز صمودهم في وجه الصدمات المناخية. وتتلقى الدول شديدة الهشاشة نحو دولارين أمريكيين فقط للفرد سنوياً من تمويل التكيف المناخي، مقارنة بأكثر من 160 دولاراً للفرد في الدول الأكثر استقراراً؛ نتيجة محدودية تحمّل المخاطر في تمويل التنمية والعمل المناخي.

إن احترام القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، بالإضافة إلى الآليات الإقليمية، سيمثل بالفعل خطوة كبيرة في ضمان قدرة النازحين داخلياً على تجاوز مخاطر الحماية والتعافي.

كسر دوامة النزوح

  • مع تصاعد المخاطر المناخية العالمية، ما هي التغييرات الجوهرية المطلوبة في السياسة الإنسانية لضمان عدم بقاء النازحين داخلياً محاصرين في دوامة غير منتهية من النزوح؟

لقد تأسس نهج الترابط بين العمل الإنساني والتنمية وبناء السلام (Nexus) خصيصًا للتعامل مع السياقات المعقّدة التي تتقاطع فيها النزاعات والتحديات المناخية والتنموية. إن كسر دوامة النزوح اللامتناهية يتطلب ما هو أبعد من مجرد زيادة المساعدات الحالية — وهو أمر غير واقعي في ظل واقع التمويل الجديد — بل يتطلب تجاوز الاستجابات قصيرة الأمد، وتهيئة بيئات داعمة للحلول المستدامة منذ البداية، ودعم النهج التنموية والقيادة الحكومية حيثما أمكن، كما أكّدته المراجعة المستقلة للاستجابة الإنسانية للنزوح الداخلي لعام 2024.

أجرى الحوار: محمد عطاء الرب