يشهد العالم اليوم تحولات عميقة في طبيعة العمل الإنساني والتنموي نتيجة تزايد الأزمات المركبة، واتساع النزوح القسري، وتصاعد مخاطر الحرمان وانعدام الأمن الغذائي، بالتوازي مع تراجع التمويل التقليدي وارتفاع الضغوط على المؤسسات الإنسانية.
أبرز ما جاء في التقرير
تواكب قطر الخيرية التحولات العالمية في العمل الإنساني والتنموي عبر أربعة مسارات رئيسية:
- الاستثمار في التمويل الإنساني المستدام (الصندوق الإسلامي العالمي للاجئين نموذجا).
- تعزيز الشراكات التنموية متعددة الأطراف (برنامج تضامن 2.0 نموذجا).
- توسيع توطين العمل الإنساني وتمكين الفاعلين المحليين من القيادة والتنفيذ.
- توظيف الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي لتعزيز الكفاءة والشفافية وقياس الأثر.
وبهذه المقاربة تسعى المؤسسة إلى الانتقال من منطق الاستجابة للأزمات فقط إلى بناء منظومات أكثر قدرة على الصمود والاستدامة.
عالم يتغير والعمل الإنساني يتغير معه
وفي الوقت نفسه، تتجه المنظومة الدولية نحو نماذج جديدة تقوم على التمويل المبتكر، وتعبئة رأس المال الاجتماعي، والتمويل الإسلامي، والشراكات متعددة الأطراف، والقيادة المحلية، والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي. كما يتراجع تدريجيا النموذج التقليدي القائم على علاقة “المانح والمتلقي” لصالح نماذج أكثر تكافؤا تربط بين الإغاثة والتنمية وبناء القدرة على الصمود.
وتكشف تجربة قطر الخيرية خلال السنوات الأخيرة عن استيعاب واضح لهذه المتغيرات العالمية، ليس فقط عبر التوسع في المشاريع الإنسانية، بل من خلال الإسهام في أدوات تمويل مبتكرة، واستثمار الشراكات الدولية، وتمكين الفاعلين المحليين، وتوظيف التكنولوجيا الحديثة في جميع مراحل العمل المؤسسي والإنساني.
كيف تعالج قطر الخيرية فجوة التمويل الإنساني؟
تُعد فجوة التمويل الإنساني اليوم من أكبر التحديات التي تواجه المنظمات الإنسانية الدولية. فمع ازدياد أعداد اللاجئين والنازحين وارتفاع الاحتياجات الإنسانية، أصبحت الموارد التقليدية القائمة على التبرعات والمنح قصيرة الأجل عاجزة عن مواكبة هذا النمو المتسارع.
ومن هنا تبرز أهمية انضمام قطر الخيرية إلى الصندوق الإسلامي العالمي للاجئين، باعتباره أحد أبرز النماذج الدولية الناشئة في مجال التمويل الإنساني المستدام. وقد أُطلق الصندوق عام 2022 بالشراكة بين المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والبنك الإسلامي للتنمية وصندوق التضامن الإسلامي للتنمية، بوصفه أول آلية تمويل إنساني مستدام ومتوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية تعتمد على صندوق وقفي وغير وقفي لدعم اللاجئين والنازحين والمجتمعات المضيفة.
ويعتمد الصندوق على نموذج وقفي مبتكر يقوم على استثمار رأس المال الوقفي وتوجيه العوائد إلى تمويل التعليم والرعاية الصحية والمياه وسبل العيش والتمكين الاقتصادي والاستجابة للطوارئ. وتكمن أهمية هذا النموذج في أنه يوفر موردا متجددا ومستداما بدلا من استهلاك التمويل بالكامل خلال دورة إنفاق واحدة.
وفي عام 2026 وقعت قطر الخيرية اتفاقية استراتيجية للمساهمة في الصندوق بمبلغ 10 ملايين دولار أمريكي على سبيل الوقف، ما أهلها للانضمام إلى اللجنة التوجيهية للصندوق والمشاركة في مراجعة واعتماد تخصيصات التمويل للمشروعات الإنسانية والتنموية.
ولا تنبع أهمية هذه الخطوة من قيمة المساهمة فقط، بل من كونها تجسد انتقال المؤسسة نحو نماذج تمويل قائمة على الاستدامة والتمكين وبناء الصمود، وهي الاتجاهات التي أصبحت تشكل مستقبل التمويل الإنساني حول العالم.
كما تأتي هذه المشاركة في وقت تواجه فيه المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين فجوة تمويلية كبيرة، حيث لم يتوفر سوى 38% من الميزانية العالمية المطلوبة البالغة 10.8 مليارات دولار حتى أغسطس 2025، ما ترك ملايين اللاجئين مهددين بفقدان خدمات أساسية كالمأوى والغذاء والمياه.
لماذا حظيت مشاركة قطر الخيرية في الصندوق بإشادة أممية؟
حظيت مساهمة قطر الخيرية في الصندوق الإسلامي العالمي للاجئين بإشادات من كبار مسؤولي المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وهو ما يعكس أهمية النموذج الذي يجمع بين الوقف الإسلامي والتمويل الإنساني المستدام.
فقد أشاد الدكتور خالد خليفة، كبير مستشاري المفوض السامي للعمل الخيري الإسلامي وممثل المفوضية لدى دول مجلس التعاون الخليجي، بمساهمة قطر الخيرية، معتبرا أنها تمثل نموذجا للتعاون الاستراتيجي القادر على توفير موارد مستدامة لدعم اللاجئين والنازحين في ظل التحديات الإنسانية العالمية المتزايدة.
كما أكد أحمد محسن، ممثل المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في دولة قطر، أن هذه الشراكة تسهم في معالجة فجوات التمويل الإنساني وتوفير دعم طويل الأمد للفئات الأكثر احتياجا من خلال نماذج تمويل مبتكرة تعزز الصمود والاكتفاء الذاتي.
وتعكس هذه الشهادات الدولية تنامي القناعة داخل القطاع الإنساني بأن مستقبل العمل الإنساني لن يعتمد على التبرعات التقليدية وحدها، بل على أدوات تمويل قادرة على تحقيق الاستدامة وضمان تدفق الموارد على المدى الطويل.
كيف تستثمر قطر الخيرية في الشراكات متعددة الأطراف؟
إلى جانب الصندوق الإسلامي العالمي للاجئين، تشارك قطر الخيرية في برنامج تضامن 2.0 الذي أطلقه البنك الإسلامي للتنمية بهدف تعزيز صمود المجتمعات الهشة وتمكين منظمات المجتمع المدني المحلية.
وقد حققت المرحلة الأولى من البرنامج نتائج مهمة تمثلت في إيصال الخدمات الأساسية إلى نحو 442 ألف شخص، ودعم أكثر من 245 ألف مستفيد في الأمن الغذائي، وبناء قدرات 728 منظمة مجتمع مدني، ورسم خريطة لأكثر من 5520 منظمة في 34 دولة.
أما المرحلة الثانية فتمثل انتقالا نحو نموذج أكثر طموحا يركز على الاستدامة والأثر طويل الأجل، ويستهدف:
- تمكين 500 ألف شخص من الوصول إلى الخدمات الأساسية.
- دعم 16 ألف أسرة منخفضة الدخل.
- تدريب 1500 منظمة مجتمع مدني عبر أكاديمية تضامن للتنمية.
- توسيع استخدام التمويل الاجتماعي الإسلامي والذكاء الاصطناعي وسلاسل الكتل والحوكمة المؤسسية.
كما خصصت قطر الخيرية مساهمة إجمالية قدرها 10 ملايين دولار لدعم البرنامج، بما يعكس توجهها نحو الشراكات متعددة الأطراف باعتبارها أحد أهم أدوات مواجهة الأزمات المعقدة والمتعددة.
كيف تطبق قطر الخيرية توطين العمل الإنساني؟
يُعد توطين العمل الإنساني أحد أبرز التحولات التي يشهدها القطاع الإنساني عالميا، إذ تتزايد الدعوات إلى منح الفاعلين المحليين دورا أكبر في التخطيط والتنفيذ والقيادة.
وفي هذا السياق، انضمت قطر الخيرية إلى الصفقة الكبرى باعتبارها أول جهة عربية موقعة عليها، وعملت على تحويل التوطين من التزام نظري إلى إطار مؤسسي عملي قابل للقياس.
وقد ارتفعت نسبة التمويل المحتسب للتوطين لدى قطر الخيرية من 21% عام 2024 إلى 30% عام 2025، كما ارتفعت نسبة التمويل متعدد السنوات من 9% إلى 65% خلال الفترة نفسها، وهو تحول مهم يمنح الشركاء المحليين قدرة أكبر على التخطيط والاستدامة المؤسسية.
كيف يقود مركز “معين” هذا التحول؟
يمثل مركز معين للتطوير المؤسسي أحد أبرز الاستثمارات الاستراتيجية طويلة الأمد التي أطلقتها قطر الخيرية لدعم توطين العمل الإنساني والتنموي.
بدأ معين عام 2023 كمبادرة داخلية متخصصة في تقييم قدرات المنظمات المحلية وبناء جاهزيتها المؤسسية، قبل أن يتحول عام 2026 إلى مركز متخصص مقره الدوحة. ويقوم نموذجه على فكرة أن التوطين لا يتحقق بالتمويل وحده، بل عبر تقييم القدرات وبناء الجاهزية وربط ذلك بفرص التمويل والشراكات.
ولتحقيق ذلك، طور المركز منهجية تغطي 11 مجالا مؤسسيا رئيسيا تشمل الحوكمة والإدارة المالية والموارد البشرية وإدارة المشاريع والمتابعة والتقييم والمخاطر والامتثال وسلاسل التوريد والشراكات والتوطين.
ومنذ عام 2024:
- خضعت 50 منظمة محلية في 10 دول للتقييم المؤسسي الشامل.
- استفادت 10 منظمات من برامج بناء القدرات.
- تشكلت قاعدة بيانات عملية حول جاهزية المنظمات المحلية ومستويات نضجها المؤسسي.
كما يلعب المركز دورا محوريا في برنامج تضامن 2.0 عبر تطوير أطر التقييم والاعتماد والتأهيل المؤسسي وربط نتائج التطوير بمسارات التمويل والشراكات الدولية. وبذلك أصبح “معين” نموذجا عمليا لتحويل التوطين من شعار دولي إلى منظومة مؤسسية قابلة للقياس والاستدامة.
كيف توظف قطر الخيرية الذكاء الاصطناعي إنسانيا؟
إحدى أهم التحولات التي يشهدها العمل الإنساني اليوم هي الانتقال من الإدارة التقليدية للبيانات إلى توظيف الذكاء الاصطناعي والتحليلات المتقدمة في اتخاذ القرار.
وتعمل قطر الخيرية في أكثر من 70 دولة من خلال بنية تقنية متقدمة تشمل الخدمات السحابية وأنظمة إدارة الموارد وإدارة علاقات المتبرعين والحوكمة والمخاطر والامتثال وأكثر من 300 لوحة ذكاء أعمال وتحليلات تشغيلية. وتستخدم المؤسسة الذكاء الاصطناعي في:
- تحليل الاحتياجات وتوجيه الموارد.
- تحسين إدارة المشاريع والبرامج.
- إعداد الدراسات والمقترحات والوثائق الفنية.
- تعزيز كفاءة جمع التبرعات.
- تطوير التحليلات التنبؤية.
- دعم اتخاذ القرار وإدارة المشتريات وسلاسل الإمداد.
كما تركز المؤسسة على حماية البيانات والخصوصية والأمن السيبراني وتطوير مهارات العاملين لضمان الاستخدام الآمن والمسؤول لأدوات الذكاء الاصطناعي.
ويرتكز ما سبق على استراتيجية قطر الخيرية 2026-2030 التي تسعى لمواصلة تعزيز الاستدامة المالية ونمو الموارد من خلال تنويع مصادر التمويل وتطوير نماذج تمويل مبتكرة، إلى جانب بناء قدرات مؤسسية وتشغيلية متقدمة ترتكز على الحوكمة الفاعلة، والتحول الرقمي، والابتكار، والتميز المؤسسي. كما تؤكد الاستراتيجية أهمية الشراكات الفاعلة مع أصحاب المصلحة محليا ودوليا، وتولي أهمية خاصة لبناء علاقة متميزة مع المتبرعين قائمة على الشراكة والثقة والشفافية، وتحسين تجربة المتبرع، وإبراز الأثر المحقق للتبرعات بصورة واضحة وقابلة للقياس.
أبرز الأرقام
- 10 ملايين دولار مساهمة قطر الخيرية في الصندوق الإسلامي العالمي للاجئين.
- 10 ملايين دولار مساهمة قطر الخيرية في برنامج تضامن 2.0 لتعزيز الشراكات متعددة الأطراف.
- ارتفاع تمويل قطر الخيرية الموجه للتوطين من 21% إلى 30%.
- ارتفاع التمويل متعدد السنوات لقطر الخيرية من 9% إلى 65%.
- تقييم 50 منظمة محلية في 10 دول عبر مركز معين.
- تدريب مستهدف لـ 1500 منظمة مجتمع مدني ضمن تضامن 2.0.
الخلاصة: كيف تستجيب قطر الخيرية لتحولات المشهد الإنساني الجديد؟
يمكن القول إن قطر الخيرية تواكب التحولات العالمية في العمل الإنساني والتنموي عبر الجمع بين التمويل الوقفي المستدام، والشراكات متعددة الأطراف، والقيادة المحلية، وبناء قدرات المؤسسات الوطنية، والاستثمار في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
وبدلا من الاكتفاء بالاستجابة للأزمات، تتجه المؤسسة نحو نماذج طويلة الأمد تعالج جذور الهشاشة، وتعزز الصمود، وتوسع أثر العمل الإنساني والتنمية المستدامة. وفي عالم تتسع فيه الفجوة بين الاحتياجات والموارد، تمثل هذه المقاربة محاولة عملية للمساهمة في تشكيل مستقبل أكثر استدامة وعدالة للعمل الإنساني العالمي. ولقراءة هذه التحولات من زاوية أوسع، اقرأ ما بعد المساعدات: كيف يتشكل النظام الإنساني الجديد؟.
قطر الخيرية والتحولات الإنسانية في سطور
ما مساهمة قطر الخيرية في الصندوق الإسلامي العالمي للاجئين؟
وقعت قطر الخيرية عام 2026 اتفاقية للمساهمة في الصندوق بمبلغ 10 ملايين دولار أمريكي على سبيل الوقف، وانضمت بها إلى اللجنة التوجيهية للصندوق.
كيف تطبق قطر الخيرية توطين العمل الإنساني؟
انضمت إلى الصفقة الكبرى أول جهة عربية موقعة عليها، ورفعت نسبة تمويلها المحتسب للتوطين من 21% عام 2024 إلى 30% عام 2025، وأسست مركز معين لتقييم قدرات المنظمات المحلية.
ما مركز معين للتطوير المؤسسي؟
مركز أطلقته قطر الخيرية، بدأ مبادرة داخلية عام 2023 وصار مركزا متخصصا مقره الدوحة عام 2026، يقيّم قدرات المنظمات المحلية في 11 مجالا مؤسسيا ويربطها بفرص التمويل والشراكات.
فيم تستخدم قطر الخيرية الذكاء الاصطناعي؟
في تحليل الاحتياجات وتوجيه الموارد، وإدارة المشاريع، وإعداد الدراسات والمقترحات، وجمع التبرعات، والتحليلات التنبؤية، ودعم القرار وإدارة المشتريات وسلاسل الإمداد.



