في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العمل الإنساني عالميا، وما يرافقها من اتساع فجوة التمويل وتنامي الاحتياجات الإنسانية وتزايد الدعوات إلى توطين العمل الإنساني وتبنّي نماذج تمويل وشراكات جديدة، تبرز تساؤلات جوهرية حول مستقبل هذا القطاع وقدرته على الاستجابة لأزمات عالمية متزايدة التعقيد والترابط.
في حوار خاص مع مجلة «غراس»، تستشرف جانتي سوربتو، الرئيسة التنفيذية لمنظمة إنقاذ الطفولة في الولايات المتحدة، مستقبل العمل الإنساني في ظل اتساع فجوة التمويل وتعدد الأزمات، وتناقش التمويل المبتكر وتوطين المساعدات والأمن الغذائي ودور الذكاء الاصطناعي في تطوير الاستجابة الإنسانية. وفيما يلي تفاصيل الحوار.
أبرز ما في هذا الحوار
- مستقبل العمل الإنساني يتجه نحو منظومة تمويل أكثر تنوعا.
- التمويل المبتكر يكمل التمويل العام والخيري ولا يحل محلهما.
- التوطين لم يتحول بعد إلى تغيير هيكلي كامل.
- 8.7% فقط من التمويل الإنساني المباشر وغير المباشر وصل إلى المستجيبين المحليين والوطنيين في 2025، بحسب تقرير حالة المنظومة الإنسانية 2026.
- الاستجابة المبكرة تقلل الخسائر الإنسانية وترفع كفاءة الموارد.
- الذكاء الاصطناعي يمكن أن يدعم التنبؤ وتخصيص الموارد، مع بقاء الحكم البشري حاكما.
- حماية الأطفال واحتياجاتهم يجب أن تبقى معيارا للقرارات الإنسانية.
إعادة تصميم منظومة العمل الإنساني العالمي
- شهد عام 2026 سلسلة من الفعاليات الدولية الكبرى، بدءًا من اجتماعات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وصولًا إلى مؤتمر الشراكات العالمية في لندن، وقد عكست جميعها تحولًا متناميًا نحو نماذج جديدة للتمويل والشراكات والتنمية التي تقودها الجهات المحلية. كيف تفسّرين هذه التطورات؟ وهل نشهد إعادة تعريف لدور العمل الإنساني العالمي خلال السنوات المقبلة؟
نعم، لكنني لا أصف ما يحدث بأنه تحول جديد بقدر ما أراه إعادة تصميم طال انتظارها للكيفية التي يعمل بها القطاع الإنساني.
فالأفكار التي تهيمن على النقاشات الراهنة، سواء تعلقت بتوطين العمل الإنساني، أو التمويل المبتكر، أو الشراكات الجديدة، ليست حديثة. لقد ظل القطاع يناقشها منذ سنوات. لكن المختلف اليوم هو أن تنامي الاحتياجات الإنسانية وتقلص الموارد يفرضان علينا الانتقال من مرحلة النقاش إلى مرحلة التنفيذ، وبوتيرة أسرع. فلم يعد بوسعنا الإبقاء على الوضع القائم.
ويبدأ ذلك بإعادة النظر إلى المساعدات بوصفها استثمارا في القدرة المشتركة على الصمود وفي الاستقرار العالمي، لا مجرد مساعدات تتدفق من جزء من العالم إلى جزء آخر. وهذا يعني تقريب عمليات صنع القرار والموارد من المجتمعات، ومنح الجهات المحلية دورًا أقوى بكثير في تحديد المشكلات وصياغة الحلول.
كما يعني أن على المنظمات الدولية تغيير أساليب عملها، من خلال بناء منظومة أكثر فاعلية، وتعميق التعاون، وتبنّي نماذج جديدة تحد من ازدواجية الجهود وتعزّز الأثر.
وأخيرا، يتعين أن يصبح العمل الإنساني أكثر استباقية وتركيزا على الوقاية. فنحن نعلم أن التحرك المبكر ينقذ الأرواح، ويحد من المعاناة، ويخفض التكاليف. كما أن الاستثمار في التأهب والقدرات المحلية والتمويل المرن يمكّننا من الاستجابة قبل تفاقم الأزمات.
أما الرسالة الأساسية للعمل الإنساني فلم تتغير؛ إذ تظل مسؤوليتنا متمثلة في ضمان تمتع الأطفال وذوي الحاجة بالصحة والتعليم والحماية. وما يتغير هو المنظومة التي نبنيها حول هذه الرسالة، بما في ذلك كيفية إقامة الشراكات وتعزيز الاستدامة في عملنا.
مستقبل التمويل الإنساني والتمويل المبتكر
- يشهد هذا العام أيضًا نقاشا متزايدا بشأن الانتقال من نماذج المساعدات التقليدية إلى التمويل المختلط، والاستثمار الاجتماعي، وحشد رأس المال الخاص، بالتزامن مع اتساع فجوة تمويل العمل الإنساني. هل يمثل ذلك، في رأيك، تحولا جذريا في فلسفة العمل الإنساني وتمويله؟ وما أبرز الفرص والمخاطر المرتبطة بهذا الانتقال؟
نشهد تحولا مهما في مجال التمويل، مدفوعا بالضرورة من جهة، وبالفرص المتاحة من جهة أخرى. فميزانيات المساعدات العامة تتعرض للضغوط، في وقت تواصل فيه الاحتياجات الإنسانية ارتفاعها.
ولا أرى أن رأس المال الخاص سيحل محل التمويل الإنساني التقليدي. بل إننا نتجه نحو منظومة تمويلية أكثر تنوعا وقدرة على الصمود، يؤدي فيها كل من التمويل العام والعمل الخيري والاستثمار المؤثر ورأس المال الخاص دورا.
وفي منظمة إنقاذ الطفولة، نعمل على تسريع هذا التحول من خلال توسيع نطاق دعم القطاع الخاص والمؤسسات الخيرية، واستكشاف حلول تمويلية مبتكرة عبر ذراعنا العالمية للاستثمار المؤثر، Save the Children Global Ventures، إلى جانب السعي إلى الاستفادة من فرص ناشئة، مثل صندوق البيتكوين (BTC) التابع لنا.
ولا تقتصر الفرصة هنا على توفير مزيد من التمويل؛ فالعالم يمتلك قدرا من رؤوس الأموال والخبرات والتكنولوجيا والابتكار يفوق بكثير ما يُوجَّه حاليًا نحو معالجة التحديات الإنسانية. وإذا نجحنا في حشد هذه الإمكانات، فسنتمكن من توسيع نطاق الحلول الفعالة، ليس لإنقاذ الأرواح فحسب، بل لإحداث تغيير مستدام فيها أيضًا.
لكن الهدف ليس البحث عن مصادر جديدة لرأس المال لمجرد تنويع التمويل. فالمعيار الحقيقي للنجاح هو مدى إسهام هذه المصادر في الوصول إلى الأطفال وذوي الحاجة بسرعة أكبر، وبفاعلية أعلى، وبأثر أعمق.
وهناك أيضًا خط أحمر واضح: لا يجوز أن تتحدد احتياجات الأطفال وذوي الحاجة بناءً على ما يحقق عائدًا ماليًا. إذ يجب أن تظل المبادئ الإنسانية والأدلة المستندة إلى الاحتياجات هي الموجّه لمواضع تدخلنا وكيفيته.
لذلك، أرى ما يحدث توسعا في مجموعة أدوات التمويل، وليس خصخصة للعمل الإنساني. وسيظل التمويل العام والعمل الخيري عنصرين أساسيين، بينما يمكن للتمويل المبتكر أن يسهم في توفير موارد وإمكانات إضافية في المجالات التي تحقق أكبر أثر ممكن.
الأزمات المتداخلة ومستقبل الاستجابة الإنسانية
- كيف يمكن للقطاع الإنساني الاستجابة بفاعلية لواقع «الأزمات المتعددة والمتداخلة»، حيث تتشابك الصراعات وتغير المناخ وانعدام الأمن الغذائي وتحديات الطاقة والضغوط الاقتصادية العالمية، وتتفاقم بالتزامن؟
إن واقع «الأزمات المتعددة والمتداخلة» لن يختفي. فنحن نعيش في عالم مترابط، وقد كانت أزمة سلاسل الإمداد الناجمة عن الصراع المعقد الذي شهده الشرق الأوسط هذا العام تذكيرا بأن الصراع في جزء من العالم يمكن أن يؤثر في أسعار الغذاء وفي الإمدادات الإنسانية التي تحتاج إليها دول أخرى بصورة عاجلة.
كما أننا نعيش في حقبة تستمر فيها الصراعات فترات أطول، وتتكرر فيها الكوارث البيئية غير المسبوقة بوتيرة أعلى، مثل الفيضانات المفاجئة التي شهدتها نيبال في أغسطس 2026، وظاهرة النينيو الفائقة المستمرة.
وقد تراجعت المساعدات الخارجية في وقت تتزايد فيه الاحتياجات الإنسانية، ويظل الأطفال الفئة الأكثر عرضة للخطر. فالأزمة، ولا سيما إذا كانت طويلة الأمد أو معقدة أو متكررة، قد تحرم الطفل من التغذية والسلامة والتعليم خلال سنوات حاسمة من نموه.
نحتاج، أولًا، إلى وقف نهائي ومستدام لإطلاق النار على أرض الواقع، لا على الورق فحسب. كما نحتاج من المانحين في القطاعين العام والخاص إلى استثمارات مرنة في الاستجابة والتعافي، حتى نتمكن من معالجة الاحتياجات المتراكبة بصورة متكاملة، لا باعتبارها مشكلات منفصلة.
وفي الوقت نفسه، يستطيع الفاعلون في المجال الإنساني الحد من النفقات ومن المعاناة البشرية من خلال تطبيق إجراءات مبكرة واستباقية لمواجهة حالات الطوارئ. فكلما تحركنا مبكرًا استنادًا إلى المعلومات المتاحة عن الكارثة، تمكّنا من الحد من الأضرار، وأصبحت استجابتنا أكثر كفاءة من حيث التكلفة. ولهذا، يجب أن نستثمر في بناء مجتمعات محلية قادرة على الصمود، وفي تعزيز قدرة المجتمع الدولي على الصمود أيضًا.
فجوة التمويل الإنساني ثمن تقلص الموارد
- في وقت تواصل فيه الاحتياجات الإنسانية ارتفاعها حول العالم، بينما تظل الموارد المتاحة محدودة، ما أبرز التداعيات التي تتوقعينها على الفئات الأشد ضعفًا خلال السنوات المقبلة؟
يتمثل الخطر الأكثر إلحاحًا في أن الفئات الضعيفة، ولا سيما الأطفال، ستواجه خيارات متزايدة الصعوبة بين الاحتياجات الأساسية.
فعندما تتقلص الموارد، قد تضطر الأسر إلى تأجيل الحصول على الرعاية الصحية، أو إخراج أطفالها من المدارس، أو تقليل استهلاك الغذاء، أو اللجوء إلى استراتيجيات تكيّف سلبية لمجرد البقاء. ونحن نعلم من واقع الخبرة أن آثار مثل هذه القرارات قد تستمر سنوات، وربما تنتقل عبر أجيال.
وما يثير قلقي بصورة خاصة هو العواقب بعيدة المدى. فالطفل الذي يعاني سوء التغذية اليوم سيكون أكثر عرضة للإصابة بالأمراض غدًا، والطفل الذي ينقطع عن الدراسة مدة طويلة قد لا يتمكن من العودة إلى التعليم بصورة كاملة. وتتراكم هذه الخسائر بمرور الوقت.
ويتمثل مصدر قلقي الأكبر في احتمال تراجع المكاسب التي تحققت بشق الأنفس لصالح الأطفال. فقد أحرز العالم خلال العقود الماضية تقدمًا ملحوظًا في مجالات بقاء الأطفال على قيد الحياة، والتغذية، والتعليم، والصحة، ولا ينبغي اعتبار تلك المكاسب أمرًا مضمونًا.
وإذا استمرت الاتجاهات الحالية، فإننا نواجه خطر ترك جيل كامل من الأطفال خلف الركب، وتوسيع الفجوة بين من يستطيعون الحصول على الخدمات والفرص الأساسية ومن يُحرمون منها.
وعندما يُقصى الأطفال عن الرعاية الصحية والتغذية والحماية والتعلم، تمتد الآثار عقودًا، وتنعكس على استقرار المجتمعات والدول بأكملها وازدهارها وقدرتها على الصمود. ولن تُقاس تكلفة هذا الإخفاق بفجوات التمويل وحدها، بل بما يخسره الأطفال من أرواح ومستقبل وإمكانات.
مستقبل الأمن الغذائي
- يواجه العالم تحديات متصاعدة في مجال الأمن الغذائي، مع تزايد أعداد الأشخاص المعرضين لخطر الجوع وسوء التغذية. كيف تقيّمين مستقبل الأمن الغذائي العالمي، وما الأولويات العاجلة التي ينبغي معالجتها لمنع تفاقم الوضع؟
يمثل الأمن الغذائي أحد التحديات المحددة لعصرنا؛ لأنه يقع عند نقطة التقاء الصراعات وتغير المناخ وعدم الاستقرار الاقتصادي والصحة العامة.
ونحن نعرف كيفية الوقاية من سوء التغذية الحاد وعلاجه، ونعرف كيفية بناء نظم غذائية أكثر قدرة على الصمود، كما نعلم أن الاستثمار في تغذية الأمهات والأطفال يحقق عوائد من بين الأعلى.
ولا تكمن المشكلة في نقص المعرفة أو الحلول، بل في مدى استعدادنا للتحرك بالسرعة والنطاق المطلوبين.
يجب أن يظل الأطفال في صميم الاستجابة؛ فسوء التغذية خلال مرحلة الطفولة المبكرة يخلّف آثارًا تستمر مدى الحياة في النمو والتعلم والصحة. ولذلك، فإن الوقاية من سوء التغذية ليست ضرورة إنسانية فحسب، بل تعد أيضًا أحد أكثر الاستثمارات ذكاءً التي يمكن للمجتمعات القيام بها.
وبالنظر إلى المستقبل، يتعين علينا تجاوز الاستجابة للجوع إلى زيادة الاستثمار في الوقاية منه. وهذا يعني تعزيز النظم الغذائية المحلية، وبناء القدرة على الصمود أمام الصدمات المناخية، ودعم الخدمات الصحية في الخطوط الأمامية، والتحرك مبكرًا قبل أن تتحول أزمات الغذاء إلى حالات طوارئ إنسانية.
ينتج العالم ما يكفي من الغذاء، لكن السؤال هو: هل نملك الإرادة اللازمة لضمان حصول كل طفل وكل محتاج على التغذية التي يحتاج إليها للبقاء والنماء؟
توطين العمل الإنساني وتمويل الجهات المحلية
- بعد سنوات من الدعوات إلى توطين العمل الإنساني ونقل القيادة إلى الجهات المحلية، ما مقدار التقدم الحقيقي الذي تحقق على أرض الواقع؟ وما أبرز التحديات التي ما تزال تعوق هذا التحول؟
بعد مرور عشر سنوات على إطلاق الصفقة الكبرى عام 2016، ظهرت بعض النماذج الإيجابية الحقيقية في مسار توطين المساعدات الإنسانية. ففي بلدان مثل نيجيريا والصومال وجنوب السودان واليمن وغيرها، شهدنا جهودًا متضافرة للارتقاء بدور الجهات المحلية وأصواتها داخل آليات تنسيق العمل الإنساني.
وكانت منظمة إنقاذ الطفولة جزءًا من هذا المسار من خلال مشروعات عدة، من بينها بناء قدرات المنظمات غير الحكومية المحلية والوطنية في نيجيريا والصومال وجنوب السودان.
ومع ذلك، لا يزال التقدم محدودًا ومحصورًا في الأطراف، ولم يرتقِ بعد إلى مستوى التغيير الهيكلي الحقيقي. ففي عام 2025، أفادت الجهات الموقعة على الصفقة الكبرى بأن 8.7% فقط من التمويل الإنساني المباشر وغير المباشر وصل إلى المستجيبين المحليين والوطنيين، وهي نسبة تقل كثيرًا عن الهدف البالغ 25%، الذي حُدد عام 2016.
وعلى الصعيد العالمي، لم يصل مباشرة إلى الجهات المحلية والوطنية المستجيبة خلال العام الماضي سوى 3.8% من التمويل الإنساني.
وتقف تحديات عديدة أمام إحراز تقدم تحولي، من أبرزها:
- استمرار محدودية المساءلة.
- تسبب تخفيضات التمويل في زيادة المنافسة، ودفع عدد كبير من المنظمات الدولية إلى دخول أسواق التمويل المحلية التي اعتادت الجهات المحلية المستجيبة الاعتماد عليها.
- صعوبة قواعد التمويل، بما يحد من قدرة المنظمات المحلية على الحصول على الدعم، ويخلق مزيدًا من العوائق أمام جهود الوصول إلى المحتاجين.
- اتخاذ القرارات، في كثير من الأحيان، بعيدًا عن المجتمعات المتضررة.
- استمرار الغياب الكبير للأصوات المحلية وتأثيرها عن السياسات الإنسانية الدولية وعمليات اتخاذ القرار.
ثمة حاجة إلى التحرك الآن أكثر من أي وقت مضى. وعلى الرغم من أن تنامي الاعتراف بدور الجهات المحلية المستجيبة وقيادتها، وتعزيز الالتزام بهما، يمثلان مؤشرًا واعدًا، فإنه يجب ترجمة هذه الالتزامات إلى إجراءات ملموسة إذا كان القطاع يرغب حقًا في جعل التوطين معيارًا مطبقًا على نطاق واسع.
الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا في خدمة الإنسانية
- يتجه القطاع الإنساني بصورة متزايدة إلى تبنّي التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. كيف يمكن توظيف هذه الأدوات لتحسين فاعلية الاستجابة الإنسانية وكفاءتها، مع ضمان الالتزام بالمبادئ الإنسانية والمعايير الأخلاقية؟
تمتلك التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي إمكانات كبيرة لتحسين النتائج الإنسانية. ونشهد بالفعل فرصًا لتعزيز التنبؤ، وتحديد المخاطر الناشئة، وتحسين الكفاءة التشغيلية، والاستفادة من البيانات بصورة أفضل.
وعند استخدام هذه الأدوات على النحو الصحيح، يمكنها مساعدة المنظمات على تخصيص الموارد المحدودة بفاعلية أكبر، والاستجابة بسرعة أعلى للاحتياجات المتغيرة.
ومع ذلك، ينبغي أن ننظر إلى التكنولوجيا بوصفها أداة تمكين لا حلًا قائمًا بذاته؛ فالعمل الإنساني يتمحور، في جوهره، حول الإنسان. ولذلك، يجب أن تظل القرارات التي تؤثر في الفئات الضعيفة والهشة خاضعة للحكم البشري والمساءلة والاعتبارات الأخلاقية.
ومع تبنّي القطاع للذكاء الاصطناعي وغيره من التقنيات المتقدمة، يتعين علينا ضمان بقاء الشفافية والخصوصية والإنصاف والحماية في صميم هذا الاستخدام، ولا سيما في المناطق المتأثرة بالنزاعات أو النزوح. ويجب أن يكون الهدف هو تعزيز الخبرة البشرية، لا أن تحل التكنولوجيا محلها.
مستقبل العمل الإنساني خلال العقد المقبل
- بالنظر إلى المستقبل، ما أبرز التغيرات التي تتوقعين أن تسهم في تشكيل العمل الإنساني العالمي خلال العقد المقبل؟ وما الذي ينبغي فعله اليوم لضمان بقاء الاحتياجات الإنسانية في صدارة الأولويات؟
أتوقع أن يتشكل العقد المقبل بفعل ثلاثة اتجاهات رئيسية: تزايد الهشاشة، وتعاظم ملكية الجهات المحلية والحكومات للعمل الإنساني وسيادتها عليه، والاستخدام الأوسع والأعمق للتكنولوجيا والبيانات.
وفي الوقت نفسه، أعتقد أن المنظمات الإنسانية ستواجه ضغوطًا متزايدة لإثبات فاعليتها وكفاءتها والأثر القابل للقياس الذي تحققه. وهذا أمر إيجابي؛ إذ يمكن أن يدفع باتجاه الابتكار، ويشجع التعاون، ويساعد في ضمان وصول مزيد من الموارد إلى الأشخاص الأكثر احتياجًا إليها.
لكن ما يجب ألا يتغير هو التزامنا تجاه الأشخاص الموجودين في قلب هذه الأزمات. فلا يجوز أن يصبح الأطفال وذوو الحاجة الذين يواجهون الجوع والصراعات والنزوح والحرمان اعتبارات ثانوية في النقاشات العالمية المتعلقة بالميزانيات أو السياسة أو الإصلاح المؤسسي.
وما زلت متفائلة؛ لأن التاريخ يثبت أن إحراز التقدم أمر ممكن. فقد نجح العالم خلال العقود الأخيرة في خفض معدلات وفيات الأطفال والحرمان الشديد والعديد من الأمراض التي يمكن الوقاية منها بدرجة كبيرة.
وتبرهن هذه الإنجازات على ما يمكن تحقيقه عندما تعمل الحكومات والمجتمع المدني والمجتمعات المحلية والمؤسسات الخيرية وقطاع الأعمال معًا لتحقيق هدف مشترك.
لم يسبق للعالم أن امتلك هذا القدر من العلوم والتكنولوجيا والموارد القادرة على معالجة المشكلات التي تواجه الأطفال والقضاء عليها. ولذلك، ليس هذا وقت الاكتفاء بالدفاع عما تحقق، بل حان الوقت لأن نتحلى بطموح لا مواربة فيه، وأن نمضي بقوة نحو تحقيق هذه الأهداف. فالأطفال وذوو الحاجة يستحقون أفضل من ذلك، ولا يليق بهم ما هو أقل من ذلك.
من هي جانتي سوربتو؟
جانتي سوربتو هي الرئيسة التنفيذية لمنظمة إنقاذ الطفولة في الولايات المتحدة منذ الأول من يناير 2020، وهي واحدة من أبرز المنظمات الإنسانية العالمية المعنية بحماية الأطفال وتوفير التعليم والرعاية الصحية لهم في الولايات المتحدة وحول العالم. وقبل ذلك شغلت منصب نائبة الرئيس التنفيذي لمنظمة إنقاذ الطفولة الدولية ثماني سنوات. تحمل شهادتي ماجستير في الاقتصاد والتمويل، وتخرجت في جامعة إيراسموس في روتردام عام 1991.
وتُعد سوربتو وجها بارزا في الدبلوماسية الإنسانية؛ إذ تمثل المنظمة بانتظام أمام الأمم المتحدة والبنك الدولي والمنتدى الاقتصادي العالمي، وتنشط في المطالبة بحماية الأطفال وإيصال المساعدات العاجلة في مناطق النزاعات الكبرى مثل غزة والسودان وأفغانستان وأوكرانيا.



