رحلة البحث المضنية عن مياه آمنة في بنغلاديش

أزمة ماء شديدة في بنغلاديش نتيجة التغير المناخي، ومعاناة يومية للنساء والأسر، ومخاطر صحية متصاعدة، وحاجة ملحة لحلول عادلة تحفظ الكرامة.

تاريخ النشر

شارك المقال

أثمان باهظة للتغير المناخي: رحلة البحث المضنية عن مياه آمنة في بنغلاديش

مع بزوغ الفجر فوق القرى الساحلية في جنوب غرب بنغلاديش، تبدأ آلاف العائلات يومها لا بتناول الفطور أو العمل، بل برحلة بحث يائسة عن مياه شرب آمنة. ففي أماكن كانت الأنهار تتدفق فيها المياه عذبة والبرك تغذي الحياة، حلّ الملح محلها بهدوء. ما كان ينبغي أن يكون حقًا أساسيًا من حقوق الإنسان أصبح معاناة يومية تستنزف الوقت، والطاقة، والصحة، والأمل.

في مناطق مثل خولنا وساتخيرا وباغيرهات، تعيش العائلات واقعاً مريراً يتمثل في انعدام الأمن المائي. فقد حوّل تغير المناخ وارتفاع منسوب مياه البحار والإهمال البيئي مصادر المياه التي كانت موثوقة في السابق إلى برك شبه مالحة لا تصلح للشرب. بالنسبة للمجتمعات الساحلية، لم يعد النضال من أجل الحصول على مياه آمنة موسمياً، بل أصبح مستمراً ومرهقاً وذا طابع شخصي عميق.

حرقة في الحلق

يُعدّ التغلغل التدريجي للمياه المالحة أحد أبرز وأشدّ عواقب تغيّر المناخ إيلاماً على طول ساحل بنغلاديش. فارتفاع مستوى سطح البحر، وتراجع تدفقات المياه العذبة، واشتداد المدّ والجزر، تدفع المياه المالحة إلى الداخل أكثر فأكثر كل عام. أما الآبار الأنبوبية التي كانت تُزوّد ​​بمياه عذبة، فقد باتت تُخرج مياهاً شديدة الملوحة لدرجة أنها تُسبّب حرقة في الحلق.

وهذا يضع الأسر أمام خيار بلا خيار: إما شرب ماءٍ غير آمن مع ما يحمله ذلك من مخاطر صحية، أو السير لساعات بحثاً عن مصدر ما يزال صالحاً. يقول أحد المزارعين من ساتخيرا: «الماء يبدو صافياً، لكن بعد سنوات من شربه، أصبحت أجسادنا مريضة».

هذا ليس تهديداً بيئياً بعيداً، بل أزمة تتكشف داخل المطابخ والمدارس والعيادات، وتعيد تشكيل تفاصيل الحياة اليومية لملايين الناس.

عبء مضاعف على النساء

في معظم المنازل الساحلية، تقع مسؤولية جلب الماء على عاتق النساء والفتيات. يقطعن يومياً عدة كيلومترات تحت أشعة الشمس الحارقة أو عبر مسارات غمرتها المياه، حاملاتٍ أوعيةً ثقيلةً إلى منازلهن. يبدأ هذا العمل الشاق قبل شروق الشمس ويستمر غالباً حتى وقت متأخر من الصباح.

تستيقظ السيدة موينا بيغوم، التي تسكن بالقرب من غابات سونداربانس، قبل الفجر لجلب الماء لعائلتها المكونة من خمسة أفراد. تستغرق الرحلة ساعات. تقول: “في بعض الأيام أشعر بتنميل في ذراعيّ. ولكن إن لم أذهب، فلن يجد أطفالي ما يشربونه”.

وتُكلّف هذه الرحلات ثمناً باهظاً. تتغيب الفتيات عن المدرسة، وتفقد النساء وقتاً ثميناً كان من الممكن استغلاله في العمل ورعاية الأسرة. ويُعدّ الإجهاد البدني ومخاطر السلامة أمراً مستمراً، مما يعمّق دوائر الفقر واللامساواة بين الجنسين.

عواقب صحية خفية

إنّ الآثار الصحية المترتبة على مياه الشرب غير الآمنة مدمرةٌ في الخفاء. فقد رُبط استهلاك المياه المالحة لفترات طويلة بارتفاع ضغط الدم، وأمراض الكلى، ومضاعفات القلب. ويعاني الأطفال من الجفاف والأمراض المنقولة بالمياه، بينما يكافح كبار السنّ مع تفاقم أمراضهم المزمنة.

وتواجه النساء صعوبات خاصة؛ فضعف الوصول إلى الماء النظيف يضرّ بالنظافة الشخصية والصحة الإنجابية، ويزيد من معدّلات العدوى والمخاطر المرتبطة بالحمل، كما لا يُصبح نقص المياه الكافية مشكلة صحية فحسب، بل مسألة كرامة لهن في أبسط تفاصيل الحياة اليومية.

أما المرافق الصحية الريفية—وهي محدودة الموارد—فتكافح للتعامل مع العبء المتزايد، فتُعالِج الأعراض بينما يظلّ السبب الجذري بلا معالجة.

اللامساواة

لا تعاني جميع الأسر من الأزمة بنفس القدر. فالأسر ميسورة الحال تستطيع شراء المياه النقية أو تركيب أنظمة ترشيح، بينما لا تستطيع الأسر الفقيرة ذلك. يوفر تجميع مياه الأمطار بعض الراحة، لكنه يظلّ محدود السعة وغير موثوق خلال الأشهر الجافة.

أين العدالة المناخية؟

تُثير معاناة المجتمعات الساحلية في بنغلاديش تساؤلات عميقة حول العدالة العالمية. فرغم أن هذه العائلات لم تُسهم إلا قليلاً في تغير المناخ، إلا أنها تتحمّل بعضاً من أشدّ تبعاته. إن أزمة المياه التي تُعاني منها ليست مجرد مشكلة بيئية، بل هي أيضاً قضية حقوق إنسان.

يُعدّ ضمان مياه الشرب الآمنة أساسياً للكرامة والصحة والبقاء. ويتطلب التصدي لهذه الأزمة استثمارات أكبر في التكيف مع تغير المناخ، وحوكمة شاملة، وتضامناً عالمياً. ويتماشى ذلك بشكل مباشر مع أهداف التنمية المستدامة المتعلقة بالمياه النظيفة، والعمل المناخي، والحد من أوجه عدم المساواة.

الكرامة تبدأ بالماء

بالنسبة لعائلات مثل عائلة السيدة موينا بيغوم، الحلم بسيط: مياه شرب نظيفة قريبة من المنزل —من دون مسيراتٍ طويلة، ومن دون مرض، ومن دون خوفٍ على مستقبل الأطفال.

ومع تفاقم آثار تغير المناخ، ستزداد معاناة سكان بنغلاديش الساحلية من أجل الحصول على الماء ما لم تُتخذ إجراءات حاسمة. إن الاستجابة لهذه الأزمة لا تقتصر على البنية التحتية فحسب، بل تتعداها إلى حماية الأرواح، واستعادة الكرامة، والوقوف إلى جانب المجتمعات التي تواجه تغير المناخ في الخطوط الأمامية؛ لأن الوصول إلى ماءٍ آمنٍ للشرب لا ينبغي أبداً أن يكون معركة يومية من أجل البقاء.

معين الدين خان – دكا