الأثر الذي لا تقيسه تقارير العمل الخيري

كيف يقيس العمل الخيري أثره الحقيقي، ولماذا تتجاوز القيمة التقارير لتظهر في كرامة الإنسان وتحسن حياته على المدى الطويل؟

تاريخ النشر

شارك المقال

أخلاقيات العطاء: كيف تُشكّل الثقافة ملامح العمل الإنساني؟

في زمن تتسارع فيه الأحداث، ويزداد فيه تعقيد المتطلبات التنظيمية، قد يجد العامل في المجال الخيري نفسه غارقًا في النماذج، والأنظمة، والمؤشرات، والمتابعات اليومية، حتى يتحول العمل – دون قصد – إلى سلسلة من المهام التقنية المتتابعة. غير أن حقيقة العمل الخيري أعمق من ذلك بكثير؛ فهو ليس وظيفة عادية، ولا مجرد نشاط إداري، بل أمانة شرعية ورسالة إنسانية، تقوم على نية صادقة، وعدالة في التطبيق، وحفظٍ لحقوق المتبرعين والمستفيدين معا.

قد لا تظهر النية في لوحات الأداء، لكنها الأساس الذي يبنى عليه كل أثر.

فحين يستحضر الموظف أنه يؤدي ما اؤتمن عليه ابتغاء وجه الله قبل أي اعتبار آخر، تنعكس هذه النية على قراراته اليومية – مهما بدت بسيطة:

حين تنطلق من نية صالحة، ستحرص على الدقة ولو كلفك ذلك وقتا إضافيا، وستفكر قبل أي إجراء تتخذه: هل هذا أفضل ما يمكنني تقديمه؟

وإذا استحضرنا أن المتبرع لا يقدّم مالا فحسب، بل يسلّم أمانة ويمنح ثقة، فإنه من أخطر ما قد يواجه العمل الخيري أن تتحول هذه الثقة إلى رقم في تقرير، أو إجراء في نظام. فالأمانة تقتضي أن يُصرف التبرع في الغاية التي نُوي له، وأن تُصان بيانات المتبرعين من أي استخدام غير مسؤول،

وأن تعالج الأخطاء بسرعة وشفافية إن وجدت. الأمانة هنا ليست مجرد أداء الحقوق إلى أهلها، بل الحرص على أن يتم ذلك وفق أمثل طريقة ممكنة.

وفي خضم التحول الرقمي، فالقضايا   الشرعية – كالزكاة، والصدقات، ومصارفها، ونسبها لا ينبغي أن تترك للأنظمة التقنية وحدها دون روح. في صدر الإسلام كان القضاة إذا ما نظروا في قضية ما وفق المذهب السائد، يأخذون برأي مذهب آخر إن كان في ذلك مصلحة متحققة في التقاضي، الأمر الذي لا يوجد ما يماثله في اللوائح والإجراءات التي تصمم لتنفذ كما هي.

ولأن الموظف في هذا المجال – مهما كان تخصصه: إداريا، أو تقنيا، أو ماليا، أو ميدانيا – هو شريك في الأثر، لا مجرد منفذ لإجراء، ينبغي أن يستحضر العاملون في هذا المجال فضل ما هم بصدده، فمن فرج عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ويدخل في ذلك الأجر، كما شرح الإمام النووي، كل من أعان برأي ومشورة، فما بالك بمن يسر العملية، وتابعها حتى تؤدى.

وختاما، فالعمل الخيري ليس سباقا في الإنجاز، وليس أرقاما تصدر في تقارير جامدة، ولا قواعد بيانات صمّاء، بل مسؤولية أمام الله ثم أمام الناس، ومن يسر الله له أن يكون في هذا الميدان، فليجدد النية، وليحتسب، وليحسن، ليكون من “العاملين عليها” بحق.

بقلم: حامد علاء الدين