لم أكن أتخيّل أن ليلة 28 نوفمبر 2025 ستكون اللحظة التي تبقى محفورة في ذاكرتي إلى الأبد. كنت في مكتبي في كولومبو حين بدأ المطر يقرع النوافذ كطبول حرب، ولم أدرك أن إعصار ديتواه كان يستعد لاجتياح سريلانكا بكل ما يملك من عنفوان ومخاطر. خلال ساعات، تحولت سريلانكا إلى صورة لا تشبه البلاد التي أعرفها..أنهار متوحشة تشق المدن، وانهيارات تلتهم التلال، ومنازل تنحني أمام سيول لا ترحم.
عندما تحركت مع الفريق الميداني الإغاثي لقطر الخيرية لإغاثة المتضررين في مرتفعات جيليويا وغامبولا كان الطريق يبدو كما لو كان يقودنا إلى عالم آخر. الانهيارات الأرضية قطّعت الطرق، والضباب كان كثيفا كأنه يحاول إخفاء حجم المأساة. صعوبات جمة واجهتنا جعلتني أخشى أن نصل متأخرين إلى العائلات المنكوبة التي تنتظر هذه الإغاثة.
عندما دخلنا بلدة جيليويا، كان الصمت مخيفا… لا يكسره إلا صوت الماء وهو يقطر من الأسقف المحطمة. كانت العائلات جالسة على حُصر مبللة، تمسك بما تبقى لديها. أتذكر أنني سلّمت طردا غذائيا لأم لم تأكل منذ يومين. أمسكت يدي وهمست: “جئتم كالملائكة”. عندها أدركت أن الإغاثة ليست مجرد طعام أو مأوى إنها محاولة لإعادة الأمل عندما يضيع كل شيء.


وفي أحد الأزقة النائية، قالت لنا السيدة مودييانسلاجي نايانا كوماري التي انهارت العوارض الخشبية لمنزلها وهي ترتجف من البرد:”كان صوت الريح مثل وحش يزمجر… طار سقف المنزل واندفع الماء إلى الداخل. صلّينا حتى طلع النهار علينا. مضى علينا أسبوع بلا طعام كاف… ثم وصلت طرودكم (الغذاء ومستلزمات النظافة)، كانت بمثابة معجزة ..ابتسم أطفالي لأول مرة منذ أيام”.
أما عبد القادر، مزارع الشاي من فقال لنا والأمل يعتصر قلبه: “كل ما عملتُه اختفى خلال ساعات… وقفت في ماء يصل إلى ركبتيّ أراقب مزرعتي وهي تختفي. عشنا على وجبات بسيطة حتى وصلتنا الطرود الغذائية، وهو ما يمنحنا القوة للأيام القليلة القادمة. المهم في الأمر أننا لم نعد وحدنا” .كانت كلمات المتضررين القليلة تحمل كل ما يمكن أن يقوله الألم والامتنان معا.

اليوم، وبينما تنتقل سريلانكا من مرحلة الإنقاذ إلى مرحلة التعافي نأمل أن نكمل مهامنا الإنسانية فالكوارث ليست مجرد أرقام، بل قصص بشرية، والإغاثة ليست مجرد طرد غذائي، بل حياة ينبغي أن تُستعاد.
كولومبو ـ رصدها: محمد طارق منصور






