في قلب مدينة جيفينيتسا البوسنية، يبرز مركز “أعد لي الابتسامة” كواحة إنسانية فريدة، تروي حكاية أمل يتجدد كل يوم في حياة الأطفال والشباب من ذوي الإعاقات المتعددة. لم يكن تأسيس المركز عام 2018 مجرد مشروع خيري عابر، بل كان بداية رحلة تغيير حقيقية، قادتها قطر الخيرية، بدعم أهل الخير، لتعيد رسم ملامح الحياة لعشرات الأسر التي كانت تبحث عن بصيص نور في نهاية النفق.
بنية متكاملة
منذ اللحظة الأولى، كان الهدف واضحا: بناء مركز متكامل لا يكتفي بتقديم الرعاية، بل يصنع الفارق في حياة المستفيدين وأسرهم. تم تحويل مبنى فندقي سابق إلى صرح يضم غرف نوم مريحة، مرافق علاجية وتعليمية، مطبخا ومطعما وصالون حلاقة، ومساحات للورش وللأنشطة الإبداعية. كل زاوية في المركز صُممت لتكون بيئة آمنة ومحفزة، تحتضن أكثر من 125 مستفيدا بشكل دائم، وتفتح أبوابها يوميا لعشرات آخرين من خارج المركز.
خدمات نوعية
ما يميّز المركز ليس فقط بنيته الحديثة، بل منظومة الخدمات المتكاملة توفر الرعاية الشاملة المتكاملة وفق مايلي :
- 1. تعليمية: مناهج تعليمية متخصصة تلائم قدرات واحتياجات المستفيدين.
- 2. تأهيلية: برامج إعادة تأهيل بدنية وحركية لتقوية المهارات الجسدية، والحسية، والحركية الدقيقة.
- 3. نفسية: دعم نفسي، استشارات، علاج سلوكي لضمان استقرار نفسي للمستفيدين.
- 4. اجتماعية: بناء مهارات التفاعل الاجتماعي، وتشجيع الإدماج في المجتمع المحيط، وتخفيف العزلة.
وذلك كله من أجل تحسين جودة حياة المستفيدين، وتعزيز إدماجهم الاجتماعي، وتقليل العبء الذي تتحمله الأسر

الورش والأنشطة
يتميز المركز بتقديم ورش متنوعة، مع تركيز خاص على المستفيدين من ذوي الاحتياجات الخاصة:
- ورش علاجية وتعليمية للمستفيدين:
- علاج النطق لتحسين مهارات التواصل.
- العلاج الطبيعي لتقوية الحركة والقدرات الجسدية.
- ورش تعليمية وإبداعية لتنمية المهارات الفنية والمعرفية.
- غرفة التحفيز الحسي لتعزيز التركيز والتفاعل.
- ورش للأمهات:
- ورش خياطة لتعليم الأمهات مهارات إنتاجية تتيح لهن مصدر دخل.
- ورش نفسية لدعم الأمهات نفسيًا وتخفيف الضغوط.
- ورش تربوية لتزويدهن بمهارات التعامل مع أطفالهن.
هذه الورش لا تقتصر على التدريب فقط، بل تخلق مجتمعا داعما للأمهات والمستفيدين، حيث تتشارك الخبرات وتُبنى علاقات إنسانية قوية.
المستفيدون
لم يكن المركز مجرد مكان للرعاية، بل أصبح الملاذ الوحيد لفئة ذوي الاحتياجات الخاصة في المنطقة. هنا، يجد الأطفال والشباب بيئة آمنة تُمكّنهم من الاندماج في المجتمع، وتخفف عن أسرهم أعباء الرعاية اليومية. فالأرقام تتحدث عن أكثر من 560 مستفيدا منذ التأسيس، وعشرات القصص التي تحولت فيها الدموع إلى ابتسامات، واليأس إلى طاقة حياة.
قصص نجاح تكتبها الإرادة
سمير… من العزلة إلى للمشاركة
سمير نوهانوفيتش، شاب يواجه تحديات الإعاقة، كان يقضي معظم وقته في المنزل قبل انضمامه للمركز. اليوم، بفضل الجلسات العلاجية والأنشطة المتنوعة، أصبح يشارك في المسابقات الرياضية ويضحك ويتعلم أشياء جديدة. والدته تصف المركز بأنه “منح طفلي الأمل في حياة أفضل”.
مرساد… نافذة أمل للعائلة
مرساد هاسيش، شاب آخر وجد في المركز ليس فقط مكانا للعلاج، بل نافذة أمل لحياة أفضل. تحسنت قدرته على الاندماج الاجتماعي، وأصبح يعتمد على نفسه في أمور بسيطة كانت يوما ما حلما بعيد المنال. المركز وفر أيضا صالون حلاقة مجهز للأشخاص ذوي الإعاقة، ما خفف الأعباء المالية عن الأسر وفتح آفاقا جديدة للتعلم والتدريب.
راسِما… تمكين اقتصادي ودعم نفسي
راسمِا برغولياشيفيتش، أم وحيدة بلا دخل ثابت، التحقت بورشة الخياطة في المركز، وأصبحت قادرة على كسب المال بجهدها. الورشة لم تكن مجرد مصدر دخل، بل مساحة للتعلم وتبادل الخبرات والدعم النفسي بين الأمهات، حيث يعملن لهدف واحد: أن يكون لأطفالهن حياة أفضل.
أميلا… رحلة تطور متكاملة
أميلا دروبيتش، فتاة تعاني من متلازمة داون، وجدت في المركز بيئة داعمة ساعدتها على تطوير مهارات التواصل والاندماج الاجتماعي. والدتها تؤكد أن المركز ليس فقط مكانا لتأهيل ابنتها، بل مساحة تمنح الأمهات الدعم النفسي والاجتماعي الذي يحتجن إليه
ورشة الخياطة… نجاح مضاعف
لم تكن ورشة الخياطة مجرد نشاط جانبي في المركز، بل تحولت إلى نافذة أمل للأمهات اللواتي يرافقن أطفالهن من ذوي الاحتياجات الخاصة. هذه الورشة منحت الأمهات فرصة لاستثمار وقتهن أثناء وجود أبنائهن في جلسات العلاج والتأهيل، في تعلم حرفة الخياطة من الصفر حتى الاحتراف. ومع مرور الوقت، أصبحت الورشة مصدر دخل حقيقي، ساعدهن على تحسين أوضاعهن المعيشية، وأعاد إليهن الثقة والقدرة على الإسهام في دعم أسرهن.
الأثر الإنساني للورشة لا يقتصر على الجانب الاقتصادي، بل يمتد ليشمل الدعم النفسي والاجتماعي، حيث خلقت بيئة للتعلم والتعاون وتبادل الخبرات بين الأمهات، مما عزز شعورهن بالتضامن والقوة.
وسط هذه القصة الملهمة، تبرز شخصية إلما زيليتش، التي كانت في وقت سابق إحدى المستفيدات من مشاريع التمكين الاقتصادي لقطر الخيرية. بدأت إلما رحلتها بماكينة خياطة واحدة، لتبني مشروعا ناجحا توسع حتى أصبح علامة تجارية معروفة. لكن نجاحها لم يتوقف عند حدود مشروعها الشخصي؛ فقد اختارت أن تسخّر خبرتها وتجربتها لتعليم غيرها، وأن تكون جزءا من صناعة الأثر الإيجابي في حياة الأمهات داخل المركز
السيدة إلما لم تكتف بتحقيق الاستقلال المالي لنفسها، بل جعلت من نجاحها قصة مضاعفة، لأنها ساهمت في تحويل وقت الأمهات من الانتظار إلى فرصة للتعلم والإنتاج، لتصبح الورشة مثالًا حيًا على كيف يمكن لمبادرة واحدة أن تغيّر حياة أسر بأكملها
إشادات
لم تمر جهود المركز دون تقدير، فقد حصل على إشادة رسمية من بلدية مدينة زيفينيتسا، التي اعتبرته نموذجا يحتذى به في العمل الإنساني والاجتماعي. هذا التكريم جاء ليؤكد أن المركز لا يصنع الفارق في حياة المستفيدين فقط، بل يترك أثرا إيجابيا في المجتمع بأسره.






