قد يبدو هذا السؤال غريبا.. ويكمن وجه الغرابة فيه لدى الكثيرين في بساطة الجواب عليه. إن الاعتقاد السائد فيما تريده الشعوب من المنظمات الخيرية هو مجرد الإسهام في سد بعض من حاجيات الأفراد والأسر والساكنة عند الضرورة.
قد تتعلق هذه الحاجيات بتحسين دخل الأفراد والأسر، أو توفير فرص مناسبة للتعليم، أو تقريب خدمات الصحة من المواطنين، أو ضمان سكن لائق للأسر المعوزة، أو توفير رعاية وحماية خاصتين للفئات الهشة كالأطفال والأرامل وكبار السن (ذوي القدر) وذوي الاحتياجات الخاصة، أو الاستجابة الإنسانية لفائدة ضحايا الكوارث والأزمات أو غيرها من الاحتياجات الأخرى.
لا شك أنها احتياجات أساسية ملحة، وبالتالي فإن سدها يمثل قيمة مجتمعية عالية لا يمكن إنكارها بأي شكل من الأشكال.
بالمقابل، فإن الاكتفاء بمشهد سد هذه الاحتياجات، على أهميته، يخفي وراءه الكثير من التفاصيل كتلك الشجرة التي تخفي الغابة.
كي تتضح الصورة أكثر، هناك قضايا ومسائل مهمة ينبغي عرضها ومناقشتها بموضوعية لعلنا نصل إلى جواب أكثر عمقا وإقناعا على سؤال “ماذا تريد الشعوب في الدول النامية من المنظمات الخيرية؟”.
قد نكتفي في هذا المقال القصير باستعراض ثلاث مسائل/قضايا أساسية على أمل أن نعود إليها أو إلى غيرها في مقالات أخرى مستقبلا لنخلص بعدها إلى إجابات ولو جزئية على هذا السؤال الجوهري.
هذه الإجابات التي من شأنها أن تبرز لنا أنه بالرغم من أن الصورة النمطية تركز على سد بعض الاحتياجات كتوفير الغذاء والدواء، فإن طموح الشعوب يتجاوز تلقي العون إلى بناء القدرة على الاستغناء عنه، فهي تبحث عن شريك في التغيير الجذري، لا عن موزع مؤقت للمساعدات.
المسألة الأولى (كفاءة الموارد)
إن كثرة الاحتياجات المجتمعية التي ذكرنا بعضها سابقا كالدخل والتعليم والصحة والسكن والرعاية وغيرها في الدول المحتاجة المستقبلة لمساعدات المنظمات الخيرية يقابلها محدودية موارد هذه المنظمات التي مهما أنفقت من أموال وبذلت من جهد لتلبية هذه الاحتياجات، فإن أثر ذلك لا يمثل إلى النزر اليسير الذي لا يكاد يذكر في معادلة التغيير.
على سبيل المثال، ماذا يمثل إسهام منظمة خيرية في مجال التعليم من خلال بناء خمس مدارس ابتدائية في دولة تمتد مساحتها على مليون كلم2، ويبلغ عدد الأطفال في سن التعليم الابتدائي فيها أزيد من مليون طفل سوادهم الأعظم في المناطق الريفية ويتسرب منهم سنويا أزيد من 30%، ولا تكاد تغطي الموازنة المخصصة للتعليم في البلد كلفة كتلة رواتب المدرسين، وتتذيل الدولة قائمة الترتيب وفقا لمؤشر جودة التعليم؟ أمام هذه المعضلة، فإن الشعوب تريد من المنظمات الخيرية أن تتموقع جغرافيا وقطاعيا حيث تكون أكثر كفاءة في استخدام مواردها المخصصة للتعليم، وأكثر تأثيرا في تحقيق التغيير المطلوب في هذا القطاع الحيوي وذلك في ظل هذه المعادلة المختلة والفجوة الواسعة بين الاحتياجات والموارد.
ولكن، حتى هذا الاستهداف الحكيم يبقى رد فعل لنقص هيكلي أكبر، وهو عجز الحكومات عن الوفاء بمسؤولياتها الأساسية تجاه مواطنيها.
المسألة الثانية (دور الدولة والحوكمة)
تقوم الديمقراطية على مبدأ التداول السلمي على السلطة وعلى أن الشعب هو مصدر الشرعية من خلال الانتخابات، حيث تصل الحكومات إلى السلطة بناء على برامجها الانتخابية التي تعد من خلالها المواطنين بما هو أفضل.
ببساطة، ليس هناك ما هو أفضل للمواطن أكثر من ضمان كرامته كإنسان وصيانة حقوقه كمواطن.. إنه حقه في التعليم وحقه في العمل وحقه في الصحة وحقه في السكن وحقه في جودة الحياة وحقوق أخرى، وذلك مقابل تأدية ما على المواطن من واجبات المواطنة المتعارف عليها في المجتمعات المدنية.
الحكومات بهذا المعنى هي المعنية، بالدرجة الأولى، بتلبية احتياجات مجتمعاتها وفاء بوعودها الانتخابية. بموجب ذلك، فإن الحكومات مخولة بتسخير موارد الدولة المادية وغير المادية في خدمة مواطنيها.
ما الذي يعيق الحكومات لأداء مسؤولياتها الرئيسة في تسخير موارد الدولة لتلبية احتياجات مواطنيها وتحقيق تنمية شاملة وعادلة لا تترك أحدا خلف الركب؟ وما السبيل لتجاوز هذه المعيقات والتحديات في إطار مجتمع يسوده السلم الأهلي، ويتعزز فيه وعي الشعب كصاحب حق، كما تتعزز فيه قدرات الحكومة كصاحبة واجب؟
هنا أيضا، ماذا عسى منظمة خيرية أن تحدث من أثر من خلال تدخلات محدودة هنا وهناك في دول تتذيل تصنيفات الحوكمة والتنمية في أهم المؤشرات الدولية كمؤشر مدركات الفساد، ومؤشر التنمية البشرية، ومؤشر الفقر المتعدد الأبعاد، ومؤشر الحكامة، ومؤشر الأمن، والاستقرار وغيرها.
أمام هذا الوضع تتطلع الشعوب إلى المنظمات الخيرية لتضطلع بأدوار متقدمة في جملة من القضايا الجوهرية للإسهام في مواجهة هذه التحديات كتنمية روح المواطنة من خلال رفع الوعي بالحقوق والواجبات، وتعزيز الوئام الاجتماعي كشرط للاستقرار والتنمية، وتيسير المساءلة وربطها بالمسؤولية، ومحاربة الفساد ودعم جهود الإصلاح، وتعزيز حكامة موارد الدولة خصوصا الموارد الطبيعية، وتكريس دولة الحق والقانون والمؤسسات.
ولكن هذا الدور يبقى محدودا ما لم يكن هناك مجتمع مدني قوي قادر على حمله. لذلك، فإن المنظمات الخيرية مطالبة بالإسهام في تنمية وتمكين هذه الروابط المجتمعية.
المسألة الثالثة (التمكين المجتمعي)
الشعوب ليست مجرد مجموعة أفراد، بل هي مجموع الروابط بين أفراد المجتمع. هذه الروابط التي تتجاوز الأبعاد العائلية والقبلية والجهوية لتتشكل بفعل إرادة واعية ومستقلة من مجموعة من المواطنين لخدمة أهداف وطنية عليا ترنو الإسهام في تنمية واستقرار الأوطان.
لقد أدى ظهور الدولة الحديثة في العالم النامي بعد نهاية المرحلة الاستعمارية إلى تراجع الروابط المجتمعية التقليدية (العشيرة، القبيلة، الجهة) التي كانت تضطلع بأدوار مجتمعية مهمة خصوصا في تلبية الاحتياجات وضمان الاستقرار.
بالمقابل، تزايدت هيمنة الدولة على المشهد المجتمعي دون القدرة على تعويض أدوار الروابط المجتمعية التقليدية مما أفرز نموذجا هجينا سرعان ما أخفق في اختبارات التنمية الوطنية والسلم الأهلي، حيث يمكن رصد هذا الإخفاق في مستوى التخلف وحجم الفقر وكثرة الأزمات والصراعات التي تعاني منها هذه الدول.
هنا أيضا يحق لنا أن نتساءل كيف لمنظمة خيرية أن يكون لها تأثير مهم في ظل تراجع دور المجتمع وعدم قدرته على تعبئة موارده للإسهام بفعالية في جهود التنمية.
لهذا الغرض، فإن الشعوب ترغب في أن تضع المنظمات الخيرية ضمن أولوياتها الإسهام في تمكين الشعوب من خلال تعظيم روابطها المدنية في شكل مبادرات مجتمعية ومنظمات مجتمع مدني ولجان أهلية وتحالفات وغيرها، ودعم هذه الرابط لكي تكون شريكا حقيقيا للدولة في التخطيط للتنمية وإعداد الموازنات التشاركية وتصميم المشاريع وتنفيذها ومتابعتها وتقييمها، إضافة لتفعيل دورها في المساءلة والإصلاح.
خلاصة القول، لا تريد الشعوب في الدول النامية من المنظمات الخيرية أن تكون مظلة تسقط المشاريع من فوق لسد بعض الفجوات المؤقتة، بل تريدها أن تعمل معها جنبا إلى جنب لتكون أداة للتمكين.
شعاراتها الجوهرية إذا هي:
“ساعدونا لنصنع حلولنا، ولا تقدموا لنا حلولا جاهزة“، و“ساعدونا للوصول لحلول حقيقية ودائمة تشفينا من داء التخلف، ولا تقدموا لنا مسكنات ألم يختفي أثرها بعد حين”.
إن الدور الأسمى للمنظمات الخيرية ليس الاستمرار في سد الفجوات إلى الأبد، بل في بناء الجسور التي تعبٌر عليها المجتمعات نحو الاعتماد على الذات، وبناء المواطنة الفاعلة، وتحقيق الحوكمة الرشيدة.. إنه الاستثمار الخيري الحقيقي الذي تبحث عنه الشعوب.
عبد ربي بن صحراء، خبير أول بقطر الخيرية






