يفتح في علامة تبويب جديدة

الروايات العربية لليافعين في مواجهة آثار الحروب والأزمات

كيف تعالج روايات اليافعين العربية آثار الحروب والأزمات؟ نموذجان يكشفان قدرة الأدب على بناء الوعي والتعاطف رغم قلة الإنتاج.

ثقافة وفن

أطفال يرفعون إبهامهم أمام خيمة في مخيم

روايات اليافعين العربية عن الحروب أداة تربوية وثقافية تمكّن هذه الفئة من فهم التحولات القاسية المرتبطة بالحروب والكوارث.

شهدت الكتابة لليافعين في عالمنا العربي في الآونة الأخيرة مزيدا من الاهتمام بالموضوعات الإنسانية من قبل الكتّاب ودور النشر، وخصوصا المرتبطة بالحروب والأزمات الممتدة والكوارث المزمنة، وما يتعلق بها من إفرازات مباشرة وغير مباشرة. لكنها ـ مع ذلك ـ ما تزال قليلة مقارنة بما يصدر من قصص وروايات مخصصة لهذه الشريحة العمرية باللغة العربية، أو ما يصدر من كتب تعنى بهذا الجانب في اللغة الإنجليزية. وكذلك مقارنة بحجم التأثيرات الكبيرة للصراعات على عالم الأطفال والأسر في دولنا العربية خصوصا في العقود الأخيرة.

روايات اليافعين العربية عن الحروب في سطور

  • تعالج روايتا “كعك جابر” و”زهرة الياسمين” النزوح واللجوء وتأثيراتهما على الأطفال والأسر.
  • صدرت الروايتان عن دار “رؤية للنشر والتوزيع” بتركيا عام 2024.
  • وصلت الروايتان إلى القائمة النهائية لجائزة اتصالات لكتاب الطفل في الشارقة عام 2024.
  • تتيح السرديات الأدبية معالجة الصدمات وبناء التعاطف والوعي بالذات والآخر.
  • وأخيرا، تفتح هذه الأعمال مسارا لأدب عربي أكثر جرأة ومسؤولية.

أداة تربوية مهمة

من أهم هذه الإفرازات السلبية للنزاعات: الفقد واليتم بسبب موت الآباء والأمهات، التعرض للصدمات بسبب العنف والخوف والهلع وعدم الأمان، والاضطرابات النفسية والسلوكية المتعلقة بها، والنزوح واللجوء والاقتلاع وفقدان المأوى الاعتيادي والبيئة الاجتماعية، وصعوبات التأقلم بسبب عدم الاندماج، وتفكك القيم والحماية، والتعرض للعنف والاستغلال والتجنيد في النزاعات المسلحة، وفقدان فرص التعليم وغيرها.

تمثّل الروايات الموجّهة لليافعين أداة تربوية وثقافية ضرورية لتمكين هذه الفئة من فهم التحولات القاسية المرتبطة بالحروب والكوارث. كما تتيح السرديات الأدبية معالجة الصدمات وبناء التعاطف والوعي بالذات والآخر، في ظل ما تؤكده الدراسات من تأثيرات نفسية عميقة للنزاعات على الأطفال والأسر.

نستعرض في المقالة إصدارين مميزين صدرا عن دار “رؤية للنشر والتوزيع” بتركيا عام 2024. كما يمثلان نموذجين مميزين في تجربة روايات اليافعين التي تعالج تأثيرات الحروب والأزمات. الأول بعنوان “كعك جابر” وهو من تأليف الكاتبة السورية: فيحاء نابلسي ورسوم راما الدقاق، والآخر بعنوان “زهرة الياسمين” وهو من تأليف الكاتبة الفلسطينية: لميس عسلي.

القواسم المشتركة بين روايات اليافعين العربية عن الحروب

من القواسم المشتركة بين الروايتين أنهما أولا: تعالجان موضوعات تتعلق بالصراع الذي دام في سوريا من 2011 ـ 2024 ومازالت بعض إفرازاته ممتدة للآن. فالأولى تتعلق بالنزوح واللجوء وتأثيراتهما على الأطفال والأسر ـ خصوصا بطل القصة الشاب الصغير جابر ـ. والثانية ترتبط باللجوء وتأثيراته على طفلة صغيرة (البطلة واسمها مريم) وذلك عندما قررت أسرتها على عجل مغادرة بلدها والهجرة في ظروف صعبة ومقلقة لبلد أجنبي. وثانيا: التميز في الكتابة الإبداعية فكرة ومعالجة، والقدرة على مخاطبة الطفل بذكاء واقتدار بلغة سلسلة ومشوقة، والتطرق لأمور غير مطروقة سابقا فيما يتصل بالتحديات المرتبطة بالصراعات. ولعل مجمل ما سبق يفسّر وصول الروايتين للقائمة النهائية لجائزة اتصالات لكتاب الطفل ـ الشارقة، عام 2024، وهي الجائزة الأهم عربيا في مجالها.

غلافا روايتين من روايات اليافعين العربية عن الحروب: كعك جابر وزهرة الياسمين

بصفة عامة، يمكن تلخيص بيانات الروايتين في الجدول التالي:

الروايةالتأليفالإصدار
كعك جابرالكاتبة السورية فيحاء نابلسي، ورسوم راما الدقاقدار “رؤية للنشر والتوزيع” بتركيا، عام 2024
زهرة الياسمينالكاتبة الفلسطينية لميس عسليدار “رؤية للنشر والتوزيع” بتركيا، عام 2024

كعك جابر

تُعدّ رواية “كعك جابر” للكاتبة فيحاء نابلسي عملاً إنسانياً موجهاً لليافعين، ينطلق من مأساة واقعية تعيشها الطفولة في زمن الحرب، حيث يُجبر البطل جابر، الفتى ذو الاثني عشر عاماً، على النزوح مع أمه وخالته إلى منطقة ساحلية بعد أن دمّرت البراميل المتفجرة التي تلقى من الطائرات بيتهم، وقتلت أباه وأخاه. كما بدّدت حياةً هادئة كان يعيشها في ريف الشمال السوري.

تبدأ الرواية بسؤال مركزي عميق يطرحه جابر على أمه وهي تعمل في فرن بمنطقة النزوح: “هل النار التي أحرقت بيوتنا هي نفسها التي نخبز بها الكعك؟”. ويشكّل هذا التساؤل مدخلاً رمزياً لفهم التناقض بين نار الدمار ونار الحياة. حيث تتحول “النار” إلى مجاز للصراع بين الشرّ والخير، والدمار والبناء. ويجسّد جابر غضبه الداخلي حين يصنع كعكاً على هيئة طائرات ووجوه من تسببوا بمأساته، في محاولة رمزية لاستعادة السيطرة على الألم.

تنسج الرواية سردها بين مشاعر متناقضة من الغضب واليأس والأمل، مقدّمة تجربة نفسية وإنسانية غنية تُجسّد معاناة الأطفال في الحروب، وفي الوقت ذاته قدرتهم على الصمود وإعادة تشكيل المعنى وسط الفقدان. وتتميّز بلغة شفيفة وبسيطة تنبع من قلب الحدث وتخاطب اليافعين بعمق دون خطابية، مع اعتماد واضح على الرمزية والتأمل

بالإضافة إلى ذلك، لا تقف الرواية عند حدود الألم، بل تتجاوزها نحو بناء معنى إنساني أعمق؛ إذ يتحول جابر تدريجياً من الغضب إلى الفعل الإيجابي، ويقرر رغم قسوة الواقع أن يترك بصمته بمساعدة الأطفال الآخرين في بيئة النزوح. وهكذا تقدّم الرواية نموذجاً للتماسك النفسي والصمود، حيث تتداخل مشاعر الخسارة مع إرادة الحياة، وتتحول السردية من حكاية معاناة إلى دعوة للأمل والعمل وبناء الذات في أصعب الظروف. وهو ما يجعلها نموذجًا أدبيًا إنسانيًا يسدّ فجوة مهمة في المكتبة العربية الموجّهة لهذه الفئة العمرية.

غلاف رواية كعك جابر لليافعين

زهرة الياسمين

في رواية “زهرة الياسمين” انقلبت حياة الطفلة مريم رأسا على عقب عندما قرر والدها الهجرة لبلد أجنبي لأنه كان مهددا بالسحب مجددا لخدمة الجندية الإلزامية في بلاده. وقد انطلقت الطفلة في رحلة لم تتوقعها يوما، تاركة خلفها حياتها المألوفة وصديقتها “ماريسة” وقطتها “لوسي” ورائحة الياسمين في حديقة بيتها. وهي رحلة كانت محفوفة بالمخاطر، لبلد لا تعرف لغته، وثقافته جديدة عليها.. وعلاوة على اختلاف اللسان والعادات والتقاليد بعد وصولها للبلد الجديد عانت مريم من طالبات يتنمرن عليها خصوصا “الطفلة تمارا”. وتعالج الرواية فصولا من هذه المعاناة وكيف تمكنت مريم من التغلب على الكثير من هذه المعاناة بدعم أسرتها وجارتها، وتفوقها في بعض المهارات ثم تعلم اللغة، إلى أن وصلت وجدت صديقة تشاركها أوقاتها.

غلاف رواية زهرة الياسمين لليافعين

ومع اتساع رقعة الصراعات تفتح هذه الأعمال مساراً لأدب عربي أكثر جرأة ومسؤولية، يلامس تجارب اليافعين بعمق، ويمنحهم لغة للتعبير، ومساحة للشفاء، وقدرة على تخيل مستقبل مختلف إنسانيا وأملا.

أسئلة حول روايات اليافعين العربية عن الحروب

ما روايات اليافعين العربية عن الحروب التي يعرضها المقال؟

يعرض المقال روايتين صدرتا عن دار “رؤية للنشر والتوزيع” بتركيا عام 2024. الأولى هي “كعك جابر” للكاتبة السورية فيحاء نابلسي، والثانية هي “زهرة الياسمين” للكاتبة الفلسطينية لميس عسلي.

ما القيمة التربوية لروايات اليافعين العربية عن الحروب؟

تمثّل هذه الروايات أداة تربوية وثقافية ضرورية لتمكين اليافعين من فهم التحولات القاسية المرتبطة بالحروب والكوارث. كما تتيح السرديات الأدبية معالجة الصدمات وبناء التعاطف والوعي بالذات والآخر.

ما القاسم المشترك بين روايات اليافعين العربية عن الحروب هنا؟

تعالج الروايتان موضوعات تتعلق بالصراع الذي دام في سوريا من 2011 إلى 2024، وتتميزان بالإبداع في الكتابة فكرة ومعالجة. وقد وصلتا إلى القائمة النهائية لجائزة اتصالات لكتاب الطفل في الشارقة عام 2024.