النزوح القسري بسبب الصراعات والمناخ أصبح حالة مزمنة ومتكررة، لأن الصراعات المسلحة تتداخل مع الفيضانات والجفاف وموجات الحر الشديدة.
كذلك، يشهد العالم في العقد الأخير تصاعدا غير مسبوق في ظاهرة النزوح القسري، لم يعد محركها الأساسي الصراعات المسلحة والأزمات وحدها، بل تداخلها المتزايد مع الظواهر المناخية الحادة مثل الفيضانات والجفاف وموجات الحر الشديدة. هذا التداخل خلق واقعا جديدا يواجه فيه اللاجئون والنازحون مخاطر مضاعفة، تجعل النزوح حالة مزمنة ومتكررة بدل أن يكون مرحلة مؤقتة تنتهي بالعودة أو الاستقرار.
النزوح القسري بسبب الصراعات والمناخ في سطور
- أولا، بلغ عدد النازحين واللاجئين حول العالم 117 مليون شخص بحلول منتصف عام 2025، ونحو ثلاثة أرباعهم يعيشون في دول تواجه مخاطر مناخية عالية أو شديدة.
- بلغت حالات النزوح الداخلي الناجمة عن كوارث مرتبطة بالطقس قرابة 250 مليون حالة خلال عشر سنوات، أي بمعدل يقارب 70 ألف حالة يوميا.
- يحصل اللاجئون القادمون من السودان في أجزاء من تشاد على أقل من عشرة لترات من المياه للفرد يوميا.
- لا تتلقى الدول الهشة والمتأثرة بالنزاعات سوى ربع التمويل المناخي الذي تحتاج إليه.
- وأخيرا، تتطلب هذه الظاهرة المركبة استجابات جديدة تضع الإنسان النازح في صلب سياسات المناخ والتنمية.
النزوح القسري بسبب الصراعات والمناخ: الأرقام تتحدث
تُظهر تقارير الأمم المتحدة أن النزوح القسري بات اليوم أحد أبرز المؤشرات على هشاشة النظام الإنساني العالمي في التعامل مع الأزمات المركبة. وفق تقرير صادر عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في نوفمبر 2025، بلغ عدد النازحين واللاجئين حول العالم 117 مليون شخص بحلول منتصف عام 2025 نتيجة الصراعات والعنف والاضطهاد. اللافت في هذه الأرقام أن نحو ثلاثة أرباع هؤلاء يعيشون في دول تواجه مخاطر مناخية عالية أو شديدة، ما يجعل الصراع وتغيّر المناخ عاملين متلازمين في تشكيل تجارب النزوح المعاصر.
مناخ يضاعف النزوح
خلال السنوات العشر الماضية، سُجلت قرابة 250 مليون حالة نزوح داخلي ناجمة عن كوارث مرتبطة بالطقس، أي بمعدل يقارب 70 ألف حالة نزوح يوميا وفق بيانات أممية. وتشير هذه الأرقام إلى أن الفيضانات والجفاف والعواصف لم تعد أحداثا استثنائية، بل باتت جزءا من واقع يومي يطارد مجتمعات تعاني أصلا من النزاعات وانعدام الاستقرار، كما في جنوب السودان وتشاد وإثيوبيا وباكستان. وفيها تتزامن الأزمات والصراعات والحروب مع أزمات مناخية حادة تدفع السكان إلى الفرار ثم إعادة النزوح مرة أخرى.
بصفة عامة، يمكن تلخيص أبرز الأرقام الواردة في المقال في الجدول التالي:
| المؤشر | الرقم |
|---|---|
| النازحون واللاجئون حول العالم بحلول منتصف عام 2025 | 117 مليون شخص |
| حالات النزوح الداخلي الناجمة عن كوارث مرتبطة بالطقس خلال عشر سنوات | قرابة 250 مليون حالة، بمعدل يقارب 70 ألف حالة يوميا |
| مياه اللاجئين القادمين من السودان في أجزاء من تشاد | أقل من عشرة لترات للفرد يوميا |
| الإجهاد الحراري الخطير في بعض المخيمات بحلول عام 2050 | ما يقرب من 200 يوم سنويا |
| الأراضي المتدهورة بيئيا في إفريقيا | 75% |
| التمويل المناخي الذي تتلقاه الدول الهشة | ربع ما تحتاج إليه |
| نازحو فيضانات البرازيل عام 2024 | 580 ألف شخص، بينهم 43 ألف لاجئ |
| النازحون داخليا في نهاية عام 2021 | نحو 59 مليون شخص |
النزوح القسري بسبب الصراعات والمناخ: دائرة النزوح المغلقة
يصف فيليبو غراندي، المفوض السامي السابق للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، هذه الظاهرة بأنها دائرة مغلقة للنزوح، إذ تؤدي الظروف المناخية القاسية إلى تدمير المنازل وسبل العيش وتعطيل الوصول إلى الخدمات الأساسية. وهذا ما يجبر عائلات سبق أن نزحت بسبب الحرب على الفرار مجددا. ويؤكد أن اللاجئين والنازحين هم من بين الأقل مساهمة في أسباب تغير المناخ، لكنهم يتصدرون قائمة المتضررين من آثاره بسبب محدودية الموارد والقدرة على التعافي.
النزوح القسري بسبب الصراعات والمناخ: مخيمات تحت الضغط
تُبرز البيانات الأممية هشاشة شديدة في أنظمة البقاء داخل مناطق النزوح. كذلك، ففي أجزاء من تشاد المتضررة من الفيضانات، يحصل اللاجئون القادمون من السودان على أقل من عشرة لترات من المياه للفرد يوميا، وهو مستوى أدنى بكثير من المعايير الإنسانية المعتمدة. وتعكس هذه الأوضاع كيف تتحول الكوارث المناخية إلى تهديد مباشر للحياة داخل المخيمات، خصوصا عندما تتزامن مع ضعف البنية التحتية وانهيار الخدمات العامة.
النزوح القسري بسبب الصراعات والمناخ: مستقبل أكثر خطورة
لا تقتصر المخاطر على الحاضر فقط، إذ تحذر المفوضية من سيناريوهات مستقبلية أشد قسوة. فبحلول عام 2050، قد تواجه بعض مخيمات اللاجئين الأكثر حرارة في العالم ما يقرب من 200 يوم سنوي من الإجهاد الحراري الخطير. هو مستوى يجعل العديد من مواقع النزوح غير صالحة للسكن ويضع صحة ملايين البشر على المحك.
البيئة والصراع
إلى جانب الظواهر الجوية المتطرفة، يسهم التدهور البيئي طويل الأمد في تعقيد المشهد الإنساني. فوفق بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، تعاني 75% من الأراضي في إفريقيا من التدهور البيئي. كما يقع أكثر من نصف مخيمات اللاجئين والنازحين داخليا في القارة ضمن مناطق تعاني من ضغوط بيئية شديدة. يؤدي ذلك إلى تقليص فرص الحصول على الغذاء والماء والدخل، وإضعاف قدرة المجتمعات على الصمود.
الوقود الخفي للصراع
في بعض مناطق الساحل الإفريقي، تشير تقارير أممية إلى أن خسائر سبل العيش الناتجة عن الجفاف والتصحر تسهم في تفشي العنف وتجنيد الشباب في الجماعات المسلحة. ويظهر هذا الواقع كيف يتحول المناخ إلى عامل غير مباشر في تغذية الصراع، ليعيد إنتاج النزوح مرة بعد أخرى في مسار تصاعدي يصعب كسره دون تدخلات شاملة.
فجوة التمويل المناخي
رغم اتساع نطاق الأزمة، تبقى فجوة التمويل واحدة من أبرز العقبات أمام الاستجابة الفاعلة. فبحسب بيانات المفوضية، لا تتلقى الدول الهشة والمتأثرة بالنزاعات سوى ربع التمويل المناخي الذي تحتاج إليه، رغم استضافتها لأكبر أعداد اللاجئين والنازحين. كما أن الجزء الأكبر من التمويل المناخي العالمي لا يصل إلى المجتمعات النازحة أو المجتمعات المضيفة لها، ما يبقي هذه الفئات في دائرة الهشاشة.
تكلفة الإهمال
يحذر فيليبو غراندي من أن تخفيض التمويل الإنساني والمناخي يحدّ بشدة من قدرة المنظمات على حماية اللاجئين من آثار الظروف المناخية القاسية. ويؤكد أن الاستقرار لا يمكن تحقيقه دون الاستثمار في المناطق الأكثر عرضة للخطر، وتمكين المجتمعات النازحة من التكيف مع التغيرات المناخية بدل الاكتفاء بإدارة الأزمات بعد وقوعها.
النزوح القسري بسبب الصراعات والمناخ: الأزمة تتجسّد
تظهر الوقائع الميدانية الحديثة حجم الكلفة الإنسانية لهذا التداخل. كذلك، ففي البرازيل، أدت فيضانات عام 2024 إلى نزوح 580 ألف شخص، بينهم 43 ألف لاجئ من فنزويلا وهايتي وكوبا. وفي ميانمار، ضرب إعصار موكا مخيمات مكتظة للاجئي الروهينغا الذين يعيشون في ظروف شديد الهشاشة، ما فاقم أزمة إنسانية مستمرة منذ سنوات. كما تشير التقارير الأممية إلى أن ثلث حالات الطوارئ التي أعلنتها المفوضية خلال عام 2024 كانت مرتبطة بفيضانات وجفاف وحرائق غابات أثّرت مباشرة على أشخاص نازحين بسبب النزاعات المسلحة.
نزوح طويل الأمد
تعزز تقارير مركز رصد النزوح الداخلي (منظمة دولية تتبع المجلس النرويجي للاجئين) هذا الاتجاه. تؤكد أن عدد النازحين داخليا بلغ نحو 59 مليون شخص في نهاية عام 2021، وهو أعلى رقم يتم تسجيله. وتوضح مديرة المركز ألكسندرا بيلاك أن النزوح طويل الأمد سيظل في تصاعد ما لم تُهيّأ ظروف آمنة ومستدامة للعودة أو الاندماج أو الاستقرار، من خلال ربط العمل الإنساني بالتنمية وبناء السلام.
النزوح القسري بسبب الصراعات والمناخ: مستقبل على المحك
تكشف هذه المعطيات أن النزوح القسري في العصر الحالي لم يعد أزمة إنسانية تقليدية، بل ظاهرة مركبة تتطلب استجابات جديدة. فالصراعات المسلحة وتغير المناخ يشكلان معا معادلة ضاغطة تضاعف المعاناة الإنسانية، فيما يؤدي استمرار تغييب اللاجئين والنازحين عن الخطط الوطنية للمناخ إلى إدامة الأزمة. وفي عالم يتسارع فيه الاضطراب، ويبقى السؤال الجوهري مفتوحا: هل سيعيد المجتمع الدولي صياغة سياسات المناخ والتنمية لتضع الإنسان النازح في صلبها، أم سيواصل إدارة أزمة تتسع مع كل فيضان جديد وموسم جفاف أطول؟
أسئلة حول النزوح القسري بسبب الصراعات والمناخ
ما النزوح القسري بسبب الصراعات والمناخ؟
لم يعد المحرك الأساسي للنزوح القسري الصراعات المسلحة والأزمات وحدها، بل تداخلها المتزايد مع الظواهر المناخية الحادة مثل الفيضانات والجفاف وموجات الحر الشديدة. قد جعل هذا التداخل النزوح حالة مزمنة ومتكررة بدل أن يكون مرحلة مؤقتة.
كم عدد المتأثرين بالنزوح القسري بسبب الصراعات والمناخ؟
وفق تقرير للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في نوفمبر 2025، بلغ عدد النازحين واللاجئين حول العالم 117 مليون شخص بحلول منتصف عام 2025. كما يعيش نحو ثلاثة أرباع هؤلاء في دول تواجه مخاطر مناخية عالية أو شديدة.
لماذا تتفاقم آثار النزوح القسري بسبب الصراعات والمناخ؟
لأن الظروف المناخية القاسية تدمر المنازل وسبل العيش وتعطل الوصول إلى الخدمات الأساسية، فتجبر عائلات نزحت بسبب الحرب على الفرار مجددا. وعلاوة على ذلك، لا تتلقى الدول الهشة سوى ربع التمويل المناخي الذي تحتاج إليه.



