تشهد المنظمات الخيرية العربية والإسلامية تحديات كبيرة نتيجة اتساع دائرة الاتهامات التي تربطها زورا بالتطرف أو دعم كيانات غير مشروعة ومع تعقّد السياقات السياسية والأمنية، بات العمل الإنساني عرضة لاستهداف منهجي يأخذ أشكالا متعددة، من بينها التضييق المالي والقانوني، وتشويه السمعة، وتسييس الإجراءات القضائية.
ويشكّل النجاح القانوني الذي حققته قطر الخيرية في الولايات المتحدة محطة بالغة الأهمية في مسار حماية العمل الإنساني من محاولات التشويه. فبعد سنوات من الادعاءات والدعاوى التي سعت إلى ربطها زورا بجهات متطرفة، أكّدت المحاكم الأمريكية عدم صحة هذه الاتهامات وأسقطت جميع القضايا المرفوعة ضدها ( نوفمبر 2025 ) ، وقد مثّل هذا التطور انتصارا مؤسسيا وقانونيا يعكس قوة منظومة الحوكمة والامتثال داخل المنظمة، كما يعزّز الثقة الدولية بنزاهة عملها وشفافيتها والتزامها بالمعايير الإنسانية والمالية العالمية.
ولا يقتصر هذا النجاح على إعادة الاعتبار لقطر الخيرية فحسب، بل يتجاوزها إلى تعزيز حماية المجال الإنساني ككل، وإثبات أن الحملات القائمة على إساءة استخدام الإجراءات القانونية أو التوظيف السياسي للإجراءات القضائية، أي ما يعرف بـ Lawfare، وتشويه سمعة المنظمات الإنسانية يمكن التصدي لها من خلال التحصين الذاتي ( الحوكمة والشفافية والامتثال) وبالعمل القانوني الرصين.
وقد أعاد هذا الانتصار التأكيد على أن العمل الإنساني يجب أن يبقى مستقلا عن الأجندات السياسية، وأن المؤسسات التي تتمتع بأنظمة حوكمة قوية قادرة على الدفاع عن دورها ورسالتها.
وفي هذه الندوة، نناقش جذور هذه الظاهرة وآثارها على مستقبل العمل الإنساني من زواياها المختلفة والتبعات المرتبة عليها، وذلك من خلال طرح عدد من التساؤلات المرتبطة بها مع عدد من مسؤولي المؤسسات الخيرية والباحثين وهم:
- السيد لطفي علي، المدير التنفيذي للشرق الأوسط والوقف ـ مؤسسة هيومان أبيل ـ بريطانيا (Human Appeal UK)
- السيد محمد بشير، منسق الشراكات العربية ـ هيئة الإغاثة الإنسانية وحقوق الإنسان والحريات (IHH)
- السيدة إسراء صالح، باحثة في مجال العمل الإنساني.
وفيما يلي التفاصيل:
أسباب الاستهداف
ما الأهداف من وراء اتهام الجمعيات الخيرية العربية والإسلامية بالارتباط أو دعم جماعات متطرفة أو إرهابية وأهم الأدوات المستخدمة في الاتهام؟
لطفي علي:
الهدف الأساسي من حملات الاتهام هو نزع الشرعية عن الجمعيات الخيرية الإسلامية وتقويض ثقة الجمهور بها، من خلال ربطها بدعاوى التطرف على نحو يفتقر إلى أي أساس حقيقي. وهذه الحملات ذات طابع سياسي في جوهرها، تعمل على تضييق دور المؤسسات الإنسانية بتشويه رسالتها وخلق حالة من الشك حولها.
وتتنوع الأدوات المستخدمة في هذه الحملات بين نشر معلومات مضللة، وترويج نظريات مؤامرة، واستثمار خطاب كراهية تغذّيه منصات ذات توجهات يمينية. كما تُستخدم تقارير تعتمد على إعادة تدوير الادعاءات نفسها لتكوين صورة زائفة توحي بوجود “حقائق متداولة”.
محمد بشير:
أخطر أدوات الاستهداف ليست الحملات الإعلامية وحدها، بل الإجراءات المالية والقانونية التي تعمل على عزل المؤسسات الخيرية عن طرفي العملية الإنسانية: المانحين والمستفيدين. فبمجرد تعطيل وصول أموال الجمعيات أو إرباك وضعها القانوني يكفي لشَلّ قدرتها على أداء رسالتها دون الحاجة إلى حظر صريح.
ويبرز هذا النمط بشكل أوضح في مناطق النزاع، حيث تسعى الأطراف المتحاربة إلى إعادة تشكيل خارطة الفاعلين الإنسانيين عبر التصنيفات السياسية والأمنية وفرض العقوبات وإطلاق حملات تشويه منهجية. ويؤكد أن وجود المنظمات الإنسانية كطرف محايد يخفّف من منطق العقاب الجماعي ويضع سقفا أخلاقيا لطبيعة الصراع، وهو ما يجعلها عرضة للاستهداف من أطراف لا ترغب بتوفير الحد الأدنى من الحماية الإنسانية.
إسراء صالح:
لا يمكن قراءة هذه الاتهامات فقط كمسألة قانونية أو أمنية، بل كجزء من بنية سياسية دولية لإعادة ضبط المجال الإنساني عالميا ضمن شروط القوة والهيمنة. حيث يتم تصوير العمل الخيري الإسلامي كـ “بيئة مشتبه بها”، رغم أنه تاريخيا جزء من منظومة الزكاة والوقف والتكافل التي عرفها الإسلام. وانطلاقا من ذلك أصبح العمل الإغاثي مقبولا فقط إذا مرّ عبر منظومات محددة، وغالبا غربية أو أممية، بينما يُنظر للفاعلين المحليين خصوصا في العالمين العربي والإسلامي باعتبارهم “غير موثوقين”، وتم استخدام الاتهام كأداة لتجفيف الموارد فالهدف ليس الإدانة دائمًا، بل خلق حالة خوف تؤدي إلى انسحاب الممولين وإغلاق المساحات الإنسانية.
المتحكم الأول هو من يمتلك الأدوات، حيث أن قوانين مكافحة الإرهاب التي وضعت بصيغ فضفاضة تعتبر أهم وأكثر الأدوات صعوبة، وأدى هذا الأمر بطبيعة الحال إلى تصنيفات مالية بما يُسمى (Sanctions Lists)، وإلى الكثير من الدعاوى المدنية الضخمة في المحاكم الغربية، وصعود حملات إعلامية تربط بين “الإسلام” و”التهديد” “الإسلاموفوبيا”، بهدف شلّ حركة هذه الجمعيات عبر الضغوط البنكية وإغلاق التحويلات.

مخاطر تسييس القوانين
ماهي مخاطر هذا السلاح القانوني ضد العمل الإنساني (Lawfare)؟
محمد بشير:
الخطر الحقيقي لا يكمن في القانون نفسه، بل في تسييسه وتوظيفه لأهداف لا علاقة لها بالعدالة. فاستغلال المسارات القضائية لتشويه السمعة أو فرض العزل المالي أو إقصاء فاعلين محددين يجعل من القانون سلاحا بيد أطراف سياسية.
وإحدى العلامات الواضحة على هذا الاستغلال هو التزامن المقصود بين الإجراءات القانونية والحملات الإعلامية التي تهدف إلى إصدار حكم مسبق في أذهان الجمهور قبل صدور أي قرار قضائي. وهذه الممارسات تستنزف موارد المؤسسات وتدخلها في دوامة من الإجراءات القانونية المعقدة، وتؤثر سلبا على علاقاتها المصرفية وقدرتها على إدارة عملياتها اليومية، حتى إسقاط القضايا الدعاوى القضائية ضدها.
إسراء صالح:
إن”” Lawfare هو استغلال القانون لأهداف سياسية بهدف تدمير الخصوم أو الحد من قدراتهم، وليس كإطار عدالة. ومخاطره على العمل الإنساني عميقة جدا، خاصة في البيئات الإسلامية الخيرية، فمن خلاله يتم تجريم الإغاثة بدلا من حمايتها، وتتحول المساعدات من واجب إنساني إلى شُبهة قانونية، ويؤدي لتعطيل المنظمات عبر التخويف والإجراءات حتى بدون إدانة، فبمجرد التحقيق والدعوى يخلق شللا تشغيليا، يؤدي لإنتاج بيئة طاردة للعمل الإنساني المحلي.
في غزة مثلا، المنظمات الخيرية العربية والخليجية والمحلية غالبا هي الأكثر قدرة على الوصول، لكن يتم التضييق عليها قانونيا وسياسيا من قبل سلطات الاحتلال.
ومن الأمور المرتبطة بذلك سوء فهم السياق الإسلامي للعمل الخيري وهي نقطة محورية، أي أن العمل بهذا المعنى ليس مجرد “تبرع”، بل منظومة دينية واجتماعية (زكاة ـ وقف –صدقات – كفالة). لكن في كثير من الأطر الغربية يتم التعامل معه كتمويل “غير شفاف”، لأنه لا يُفهم ضمن بيئته الطبيعية.
وبالتالي، تقع مؤسسات إنسانية كبرى مثل قطر الخيرية أحيانا تحت ضغط مزدوج:
- التسييس المباشر
- وسوء الفهم البنيوي لطبيعة العمل الخيري الإسلامي
انتهاك حيادية العمل الإنساني
ماهي أبرز التحديات المرتبطة بالاتهامات التي توجه للجمعيات الخيرية العربية والإسلامية وتنامي إساءة استخدام الإجراءات القانونية؟
لطفي علي:
أخطر نتائج هذه الاتهامات ليست فقط تشويه الصورة العامة للمؤسسات الخيرية الإسلامية، بل التأثير المباشر على ثقة المتبرعين وعلى علاقتها مع الجهات الرسمية. وأحد أكثر
التحديات تعقيدا هو ظاهرة إغلاق الحسابات البنكية أو تجميدها بناء على شبهات غير مثبتة.
خاصة أن هذه المخاطر لا تعتمد على وقائع أو أدلة، بل تنشأ من حملات تضليل ممنهجة تستهدف المؤسسات الإسلامية كجزء من خطاب كراهية أوسع.
محمد بشير:
تسييس القانون واستغلاله يخلق بيئة مشحونة تفقد فيها المؤسسات الإنسانية الإحساس بالأمان القانوني، ويبدأ معها تآكل الثقة بالقضاء نفسه. ويؤدي في نفس الوقت إلى تزايد الشكوك تجاهها في نظر الرأي العام، الأمر الذي ينعكس سلبا على قدرتها في تنفيذ مشاريعها والوصول إلى الفئات المتضررة.
وهذا التأثير لا يقتصر على المؤسسات المستهدفة، بل يهدد المبادئ الإنسانية الأساسية، وعلى رأسها الموثوقية وعدم الانحياز، ويحمّل المدنيين لا المنظمات المستهدفة الثمن الأكبر عندما يُعطّل العمل الإنساني في لحظات حرجة.
إسراء صالح:
المخاطر تتمثل بتحويل الإغاثة والعمل الخيري إلى ساحة صراع سياسي بدلا من أن تكون حقا للمدنيين، والتسبب بفقدان الثقة المجتمعية من قبل المانحين مما يؤدي إلى تعطيل المشاريع في مناطق النزاع وخلق وصمة دائمة بعد إسقاط القضايا، وكذلك الاستنزاف القانوني الطويل والمكلف، وتجفيف التمويل عبر سياسات “De-risking” البنكية.

خطوط دفاع استراتيجية
ماهي خطوط الدفاع الإستراتيجية التي تحصن الجمعيات وتقوي موقفها ضد هذه الاتهامات؟
لطفي علي:
الخط الدفاعي الأول يبدأ من داخل المؤسسة عبر تعزيز الحوكمة وترسيخ ثقافة الامتثال والشفافية في جميع مستويات العمل. وينصح بنشر تقارير سنوية مدققة والتواصل المستمر مع الجهات الرقابية والجمهور، بما يعزز الثقة ويُظهر الالتزام المهني. وكذلك الاستفادة من الأبحاث المستقلة التي تكشف حملات التضليل ويساعد المؤسسات في بناء حجج قوية في مواجهة الحملات المسيّسة.
محمد بشير:
الدفاع الحقيقي يجب أن يكون مؤسسيا ومنهجيا، يبدأ من بناء أنظمة تدقيق داخلية قوية، وتطوير آليات التحقق من الشركاء والمستفيدين دون الإخلال بجودة العمل الإنساني، ورفع الجاهزية القانونية، وتفعيل دور المناصرة بوصفها عنصرا أصيلا في العمل الإنساني وليس مجرد رد فعل.
وتتيح المناصرة الاستباقية للمؤسسات معالجة الإشكالات قبل تفاقمها، وتقلل من كلفة الأزمات القانونية، وتحافظ على شرعية المجال الإنساني أمام الجهات الحكومية والمصرفية.
إسراء صالح:
خطوط الدفاع يجب أن تكون شاملة وليست قانونية فقط، تبدأ من بناء سردية إعلامية استباقية عن طبيعة العمل الخيري الإسلامي، مع إيضاح الحوكمة الصارمة وشفافية مالية عالية تُبنى على توثيق كامل لمسارات المساعدات وسلاسل التوريد، مع استثمار قانوني مبكر وليس رد فعل متأخر، وأخيرا شراكات مع أطراف أممية ومحلية، حيث إن الدفاع الحقيقي يبدأ بفهم أن الاستهداف ليست فقط على “الملفات”، بل على “المعنى والشرعية”.
التعاون الجماعي
ما أهمية وجود تعاون بين الجمعيات الخيرية لمواجهة هذه الاتهامات؟
لطفي علي:
التعاون بين الجمعيات الخيرية، خصوصا الإسلامية منها، أصبح ضرورة وليس خيارا، لأن الاتهامات ذات طابع ممنهج وتحتاج إلى مواجهة جماعية. ولا بد هنا من توحيد الرسائل، وتبادل الخبرات، والعمل ضمن أطر تنسيقية مشتركة يمكن أن يعزز مكانة القطاع الإنساني المستهدف أمام الجهات التنظيمية والإعلامية.
محمد بشير:
التنسيق بين المنظمات الإنسانية أحد أهم عوامل استمرارية المجال الإنساني. فمثلا القطاع المصرفي يتجنب بطبيعته مناطق النزاع، ومن ثمّ فإن التنسيق الجماعي بين هذه المؤسسات ضرورة للمطالبة باستثناءات إنسانية وتقديم مقترحات عملية متوازنة تحمي النظام المالي وتسمح في الوقت نفسه باستمرار العمل الإنساني.
هذا النموذج من التعاون يمكن تطبيقه أيضا في الأطر القانونية والدبلوماسية، بما يعزز قدرة المنظمات على مواجهة التحديات المشتركة.
إسراء صالح:
التعاون أمر ضروري لأن المواجهة الفردية تُضعف الجميع، وهنا ينبغي تشكيل اتحادات وتحالفات قانونية مشتركة، يتم من خلالها تبادل الخبرات في الامتثال والحوكمة، ويكون لها منصات دفاع إعلامي جماعي وشبكات ضغط دولية ومناصرة، تؤدي إلى بناء خطاب موحد حول خصوصية العمل الخيري الإسلامي، وهو ما لم يتم تشكيله حتى الآن.

نموذج عملي: تجربة قطر الخيرية
ما مدى أهمية الاستفادة من تجربة قطر الخيرية في إسقاط جميع الدعاوى القضائية التي رفعت ضدها في الولايات المتحدة والتجارب المماثلة؟
لطفي علي:
نشيد بتجربة قطر الخيرية ونعتبرها مثالا ناجحا على قدرة المؤسسات الإنسانية على حماية نفسها عندما تُحسن إدارة المواجهة قانونيا وإعلاميا. ونرى أنها تقدم نموذجا يمكن البناء عليه لمواجهة الحملات المشابهة عبر عمل قانوني رصين ومسار تفاوضي هادئ.
محمد بشير:
تجربة قطر الخيرية تعد محطة مفصلية، بعد أن تحولت من هدف لحملات تشويه ممنهجة إلى نموذج يُحتذى به في إدارة الأزمات. حيث توضح أن النجاح في إسقاط الدعاوى القضائية، مع النص على عدم إمكانية إعادة رفعها، يعد سابقة قانونية مهمة تُثبت أن استغلال القانون يمكن احتواؤه عندما يتوفر العمل المؤسساتي المتكامل. وهذا المكسب برأيي لا يعود لقطر الخيرية وحدها، بل للقطاع الإنساني بأكمله لأنه يعيد الاعتبار لشرعية العمل الإنساني.
إسراء صالح:
التجربة ليست فقط نجاحا قانونيا، بل درسا استراتيجيا للقطاع الخيري الإسلامي بأكمل، لأنها تقدم نموذجا عمليا على أن الاتهام لا يعني الإدانة، وأن عدم فهم طبيعة العمل الإنساني الخيري لا يعني بالضرورة توجيه الاتهام له، وبذلك قدمت قطر الخيرية نهجا للمؤسسات الخيرية الإسلامية لتكون قادرة على الدفاع القانوني الدولي، من خلال الاستثمار في الامتثال والحوكمة، كما أنها كشفت نقطة أعمق وهي أن كثير من الدعاوى ليست مسار عدالة، بل جزء من Lawfare سياسي طويل.






