العنوان: “الدمج الاجتماعي للأشخاص ذوي الإعاقة: دراسة فقهية مقاصدية في كتاب المعاملات والأحوال الشخصيَّة”
المؤلف: د. أمل محمد ظافر العرجاني
الناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلاميَّة ـ دولة قطر
تاريخ النشر: 2026

ضمن سلسلة “الأبحاث والرسائل العلمية” صدر حديثا عن إدارة البحوث والدراسات الإسلامية بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلاميَّة (2026)، كتاب “الدمج الاجتماعي للأشخاص ذوي الإعاقة: دراسة فقهية مقاصدية في كتاب المعاملات والأحوال الشخصيَّة” للدكتورة أمل محمد ظافر العرجاني، وهو في أصله رسالة علمية نالت الباحثة بموجبه درجة الدكتوراه من كلية الشريعة والدارسات الإسلامية بجامعة قطر عام 2023.
وتأتي الدراسة في سياق علمي ومعرفي يسعى إلى إعادة قراءة الفقه الإسلامي قراءة معاصرة، تربط بين أصوله المقاصدية ومتطلبات الواقع الاجتماعي الحديث، خاصة في مجال تمكين ودمج الأشخاص ذوي الإعاقة.
إشكالية الدراسة
تنطلق إشكالية الدراسة التي تضمنها الكتاب من تحدٍ علمي واضح يتمثل في الفجوة القائمة بين التنظير الفقهي التقليدي – الذي تناول أحكام ذوي الإعاقة غالبًا في إطار الرخص أو الاستثناءات – وبين ما توصلت إليه العلوم النفسية والاجتماعية الحديثة، التي باتت تؤكد على مفهوم “الدمج الشامل” باعتباره حقًا إنسانيًا وأساسًا للتنمية. ولذلك طرحت الباحثة سؤالًا محوريًا حول مدى توافق هذه الأحكام الفقهية، لا سيما في المعاملات والأحوال الشخصية، مع مقاصد الشريعة الكبرى التي تقوم على العدالة، ورفع الحرج، وتحقيق الكرامة الإنسانية.
وتكشف الدراسة أن كثيرًا من البحوث الفقهية السابقة ركّزت على بيان الأحكام الجزئية لكل نوع من أنواع الإعاقة، دون أن تُبرز البعد المقاصدي الجامع لهذه الأحكام، كما أنها لم تربط بشكل كافٍ بين هذه الأحكام وبين الخصائص النفسية والسلوكية والإدراكية للأشخاص ذوي الإعاقة، كما تقررها الدراسات الحديثة. ومن هنا جاءت هذه الرسالة لتسد هذه الفجوة، من خلال الجمع بين التحليل الفقهي المقارن، والقراءة المقاصدية، والاستفادة من نتائج الدراسات الطبية والاجتماعية المعاصرة.
مرتكزات الدمج
وتؤكد الدراسة أن الشريعة الإسلامية لا تقتصر على رفع الحرج عن ذوي الإعاقة، بل تؤسس لدمجهم الفعلي باعتبارهم عناصر فاعلة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية، بشكل يتناسب مع قدراتهم وإمكاناتهم، مرتكزة على ثلاث جوانب رئيسة لتحقيق ذلك:
الإطار المقاصدي
حيث يُعد دمج ذوي الإعاقة تحقيقًا لمقاصد عليا مثل حفظ النفس والعقل وصيانة الكرامة الإنسانية، من خلال توفير بيئة آمنة تراعي الجوانب النفسية والجسدية لهم. كما تُبرز الشريعة مبدأ التيسير ورفع الحرج، بحيث تُسقط بعض التكاليف عند العجز، لكنها في الوقت نفسه تُبقي باب المشاركة مفتوحًا وفق قدرات الفرد، بما يحقق التوازن بين التكليف والرحمة.
مجال الأحوال الشخصية
وفي مجال الأحوال الشخصية تؤكد الدراسة أن الشريعة تكفل لذوي الإعاقة حقهم في الزواج وتكوين الأسرة، مع تنظيم ذلك بضوابط تحفظ حقوق الأطراف وتراعي المآلات. كما تناقش مسألة الأهلية، موضحة أن الأصل هو تمتعهم بالأهلية الكاملة، مع مراعاة حالات الإعاقة الذهنية من خلال أنظمة الولاية أو الوصاية التي تهدف إلى حمايتهم دون إهدار استقلاليتهم.
في مجال المعاملات المالية
أما في مجال المعاملات المالية، فتبرز الدراسة تأكيد الفقه الإسلامي على حق ذوي الإعاقة في العمل والكسب المشروع، بما يضمن لهم العيش الكريم والاندماج الاقتصادي. كما تؤكد تمتعهم بذمة مالية مستقلة تتيح لهم التصرف في أموالهم وتنميتها، مع وجود أحكام خاصة تنظم حالات العجز الذهني بما يحقق مصلحتهم ويحميهم من الاستغلال.
وبذلك، تخلص الدراسة إلى أن الفقه الإسلامي – من خلال مقاصده – لا ينظر إلى الإعاقة كسبب للإقصاء، بل كحالة تستوجب التكييف والتيسير، بما يضمن دمجًا متوازنًا يجمع بين الحماية والتمكين، ويعكس رؤية إنسانية متكاملة تتقاطع مع المفاهيم الحديثة للدمج الاجتماعي
ما تميّزت به الدراسة
أما من حيث التميز، فقد وسّعت الدراسة نطاق البحث ليشمل ثلاثة مستويات مترابطة: التحليل الفقهي المقاصدي، ودراسة القوانين القطرية والاتفاقيات الدولية، إلى جانب دراسة ميدانية لرصد اتجاهات الأسر ومقدمي الخدمات تجاه دمج ذوي الإعاقة. وهذا الدمج بين النظرية والتطبيق منح الدراسة بعدًا عمليًا، وجعلها قادرة على تقديم توصيات قابلة للتنفيذ.
آفاق الدمج
وفيما يتعلق بآفاق الدمج المقترحة عمليًا، تؤكد الدراسة أن الانتقال من “رعاية ذوي الإعاقة” إلى “تمكينهم” يتطلب إجراءات متعددة، من أبرزها: تطوير التشريعات بما يعزز مشاركتهم في المعاملات الاقتصادية والحياة الأسرية، وتكييف البيئات المادية والخدمية لتكون ميسّرة للجميع، إضافة إلى توظيف التكنولوجيا الحديثة في دعم استقلاليتهم. كما شددت على أهمية بناء برامج توعوية لتغيير الصور النمطية السلبية، وتعزيز قبول المجتمع لذوي الإعاقة بوصفهم شركاء فاعلين.
وتذهب الدراسة إلى أن تحقيق الدمج الحقيقي لا يقتصر على إتاحة الخدمات، بل يتطلب إعادة صياغة العلاقة بين الفرد والمجتمع على أساس الحقوق والقدرات، وهو ما يتقاطع مع مقاصد الشريعة في تحقيق العدل والمساواة. ومن هنا، فإن القيمة الحقيقية لهذه الدراسة لا تكمن في معالجة موضوع فقهي فحسب، بل في تقديم رؤية تكاملية تُعيد وصل التراث الفقهي بالمعرفة الحديثة، وتفتح آفاقًا جديدة لتطبيقات عملية تعزز دمج ذوي الإعاقة في المجتمعات المعاصرة.






