يفتح في علامة تبويب جديدة

الأمير الوالد حمد بن خليفة آل ثاني.. سيرة عطاء لا تغيب 

حوّل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة العمل الخيري في قطر إلى مؤسسات وقوانين مستدامة، وامتدت أيادي العطاء لتشمل التنمية الدولية وإغاثة المتضررين من الكوارث والنزاعات حول العالم.

رواد الإنسانية

عرف العمل الإنساني في التاريخ الحديث لحظات تحوّل كبرى، انتقل فيها العطاء من إغاثة عابرة إلى مؤسسات دائمة تعمل بالقانون وتخطط لعقود. وفي قطر، ارتبطت هذه اللحظة بعهد صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، إذ تحوّل الخير خلاله من جهد تحمله حماسة المبادرات، إلى عمل تحفظه القوانين وتحمله المؤسسات.

فمنذ تولّيه الحكم عام 1995، صار الخير في قطر جزءا من بناء الدولة: تشريعات تنظّمه، ومؤسسات تحمله، ومواقف امتدت به إلى لبنان ودارفور وغزة. هكذا غدا العطاء في عهده رسالة دولة، لا مبادرة موسم، وهي رسالة ما زال العمل الخيري القطري يمضي في ظلها إلى اليوم.

الخير في مشروع الدولة منذ البداية

عرفت قطر التكافل قبل أن تعرفه القوانين؛ فهو إرث تتوارثه الأسر، وتقوم عليه المجالس، ويتسابق إليه أهل الخير في رمضان وفي الملمّات. غير أن عهد الأمير الوالد حمل لهذا الإرث معنى جديدا: أن يتحول العطاء من جهد يعتمد على نبل الأفراد، إلى عمل منظّم له أطره ومؤسساته واستمراريته.

وجاءت الإشارة مبكرة. ففي العام نفسه الذي تولّى فيه الحكم، أُسست مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع مع صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر، لتعلن أن الاستثمار في الإنسان، في تعليمه وتنمية مجتمعه، سيكون في قلب المرحلة الجديدة. ومن هذا المعنى نفسه خرج كل ما تلاه: فالإنسان هو الغاية، والمؤسسة هي الطريق.

1998 و2004: قانونان صنعا الثقة

يعرف العاملون في الحقل الخيري أن الثقة رأس مال العطاء. فالمتبرع يعطي بسخاء حين يطمئن إلى أن ما يقدّمه يصل إلى مستحقيه، والمؤسسة تعمل بثبات حين تعرف حدودها ومسؤولياتها. ولهذا كان تنظيم هذا القطاع من أعمق ما قُدّم للعمل الخيري في عهده، وإن كان من أقلّه ظهورا.

ففي 5 مايو 1998 صدر القانون رقم 8 لسنة 1998 بشأن الجمعيات والمؤسسات الخاصة، فمنح العمل الأهلي في قطر إطارا قانونيا واضحا، يحدد كيف تنشأ الجمعيات والمؤسسات، وكيف تعمل، وأمام من تُساءل. وبعد ستة أعوام، في 10 مايو 2004، صدر القانون رقم 13 لسنة 2004 بإنشاء الهيئة القطرية للأعمال الخيرية، فصار للعمل الخيري جهة مختصة تنظّمه وتشرف عليه.

في عام 2014 تم إنشاء هيئة تنظيم الأعمال الخيرية بموجب القرار الأميري(43 )، وتُعد هيئة تنظيم الأعمال الخيرية الامتداد المؤسسي والتطويري للهيئة القطرية للأعمال الخيرية التي أُنشئت عام 2004، حيث شهد القطاع الخيري في دولة قطر انتقالا من مرحلة الإشراف والتنظيم الأساسي إلى مرحلة أكثر تقدماً ترتكز على الحوكمة والشفافية والامتثال وإدارة المخاطر والتنظيم الاستراتيجي المتوافق مع أفضل الممارسات الدولية، بما يعزز كفاءة واستدامة العمل الخيري والإنساني في دولة قطر ويرفع مستوى الثقة به محليا وإقليميا وعالميا.  

قد تبدو القوانين بعيدة عن دفء العطاء، لكنها في الحقيقة ما يحفظه ويضمن بقاءه. فبين القانونين اكتمل الأساس الذي قام عليه القطاع كله، وصار الخير يُدار بشفافية ومسؤولية. وفي ظل هذه الأطر، وجدت المؤسسات الخيرية القطرية بيئة تستطيع فيها أن تخطط لسنوات لا لأيام، وأن تنتقل من الإغاثة العاجلة إلى التنمية المستدامة.

يد قطر الممتدة إلى العالم

ولم يقف الخير في عهده عند حدود قطر. ففي عام 2002 أُسس صندوق قطر للتنمية بالقانون رقم 19 لسنة 2002، ليكون الذراع الرسمية للدولة في تقديم المساعدات التنموية الخارجية. وبهذا لم يعد العطاء القطري خارج الحدود استجابة للأزمات وحدها، بل صار شراكة تنموية طويلة النفس، تبني المدارس والمستشفيات والطرق، وتترك أثرا يبقى بعد أن تهدأ الكوارث.

وامتد هذا العطاء إلى حيث لم يتوقعه كثيرون. فبعد إعصار كاترينا عام 2005، أنشأت قطر خلال أسبوعين صندوق قطر لكاترينا بهدية قدرها مئة مليون دولار، وُزّعت على مشاريع في التعليم والإسكان والرعاية الصحية، ثم زار الأمير الوالد نيو أورلينز بعد ثلاث سنوات ليرى أثر ذلك العطاء بنفسه. وبعد زلزال شرق اليابان وتسونامي 11 مارس 2011، أعلن هدية بمئة مليون دولار لدعم جهود الإغاثة وتسريع تعافي المتضررين. عطاء لا يسأل عن المسافة، بل عن الإنسان.

وتزامنا مع فترة حكم الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة تبنت دولة قطر نهجاً دبلوماسياً رائداً يقوم على ترسيخ دبلوماسية المصالحات والوساطة الإنسانية كأداة أساسية لحل النزاعات الإقليمية والدولية. ويتكامل هذا الدور السياسي بشكل وثيق مع تقديم الدعم الإنساني والتنموي اللامحدود، إيماناً من الدوحة بأن السلام لا يستدام بدون تنمية، وأن معالجة الأسباب الجذرية للأزمات هي السبيل الأنجع لمنع النزاعات والتعافي منها. 

من جنوب لبنان إلى دارفور وغزة: عطاء يعبر الحدود

لم تكن مواقف الأمير الوالد الإنسانية خارج قطر استجابات عابرة، بل حضورا ممتدا في أصعب الساحات، لا ينساه من عاشه، وجعل اسم قطر عنوانا للنجدة.

لبنان: قرى تنهض من الركام

بعد حرب 2006 على لبنان، تكفّلت قطر بإعادة إعمار بلدات في الجنوب، منها بنت جبيل وعيتا الشعب وعيناتا والخيام، وأنفقت أكثر من 300 مليون دولار على البنى التحتية هناك. وفي يوليو 2010 زار الأمير الوالد تلك البلدات، فكان أول زعيم عربي يزور جنوب لبنان، وتسلّم مفاتيحها بعد أن نهضت من الركام.

دارفور: سلام يراه الناس في حياتهم

وفي السودان، احتضنت الدوحة مسار السلام في دارفور حتى توقيع وثيقة الدوحة لسلام دارفور في 14 يوليو 2011، وألقى الأمير الوالد كلمته في حفل التوقيع. ولم يقف الدعم عند الوثيقة؛ ففي مؤتمر المانحين لإعادة إعمار دارفور وتنميتها، الذي استضافته الدوحة في 7 و8 أبريل 2013، تعهدت قطر بـ500 مليون دولار، إيمانا بأن السلام لا يكتمل حتى يرى الناس أثره في بيوتهم ومدارسهم ومعاشهم.

غزة: زيارة حملت الأمل

وفي أكتوبر 2012، كان الأمير الوالد أول رئيس دولة يزور قطاع غزة منذ عام 2007، ورفع هناك منحة الإعمار القطرية للقطاع إلى 400 مليون دولار، لمشاريع في الإسكان والبنية التحتية والرعاية الصحية. زيارة حملت إلى أهل القطاع رسالة بسيطة وعميقة معا: أنهم ليسوا وحدهم. وهكذا تجمع المحطات الثلاث معنى واحدا: أن الخير الحقيقي يذهب إلى حيث تشتد الحاجة، مهما كان الطريق صعبا.

قطر الخيرية: من التأسيس إلى الاتساع

تأسست قطر الخيرية عام 1992، قبل عهده بسنوات، لكنها كبرت في عهده، واتسع عملها في ظل البيئة التشريعية والمؤسسية التي نشأت خلاله. وفي كنف رؤيته دخلت مرحلة مهمة من مسيرتها، لكنها ظلت وفية لنهجه الذي جعل الإنسان غاية العمل الخيري وميزانه، وفي عهده تم تنفيذ العديد من التدخلات الإنسانية والمشاريع التنموية التي جاءت بموجب مكرمات أميرية أو بتمويل من صندوق قطر للتنمية في عدد من الدول التي عانت من الأزمات الممتدة والكوارث الكبيرة، كما في غزة ودارفور في السودان وسوريا، أو التي تأثرت بإعصار تسونامي مثل أندونيسيا وغيرها. 

العالم يودّع

ولم يكن الحزن قطريا وحده. فقد توالت التعازي من عواصم كثيرة، ونعاه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، واصفا إياه بالقائد الملهم والمؤثر في مسيرة التغيير في بلاده. شهادة تختصر ما يعرفه القطريون منذ زمن: أن أثره تجاوز حدود الوطن.

درب يبقى بعد الرحيل

يمضي القادة، وتبقى الطرق التي مهّدوها. وقد مهّد الأمير الوالد للعمل الخيري القطري طريقا واضح المعالم: قوانين تحفظ الثقة، ومؤسسات تحمل الأمانة، ويدا ممدودة حيثما نزلت الملمّات. واليوم، إذ يودّعه القطريون بقلوب حزينة مؤمنة بقضاء الله، فإن أصدق الوفاء له أن يمضي هذا العمل على الدرب نفسه، وأن يبقى الإنسان فيه الغاية والميزان، كما كان في عهده. رحمه الله رحمة واسعة، وجزاه عن قطر والإنسانية خير الجزاء.

إعداد: عادل رواتي 

المراجع

‏1. الديوان الأميري، كلمة سمو الأمير في حفل توقيع اتفاق سلام دارفور، 14 يوليو 2011.

‏2. الميزان (البوابة القانونية القطرية)، قانون رقم 8 لسنة 1998 بشأن الجمعيات والمؤسسات الخاصة.

‏3. الميزان (البوابة القانونية القطرية)، قانون رقم 13 لسنة 2004 بإنشاء الهيئة القطرية للأعمال الخيرية.

4. صندوق قطر للتنمية، من نحن.

‏5. مؤسسة قطر، من نحن.

‏6. الجزيرة نت، العالم ينعى الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة، 12 يوليو 2026.

‏7. الجزيرة نت، الشيخ حمد بن خليفة.. قائد حمل الإنسان، 12 يوليو 2026.

‏8. الجزيرة الإنجليزية، تقرير عن الأمير الوالد وزيارته غزة، 13 يوليو 2026.

‏9. المركز الدولي لقانون المنظمات غير الربحية (ICNL)، تقرير قوانين العمل الخيري في قطر، مايو 2023.

‏10. الجزيرة نت، أمير النادرات الذي تسلم مفاتيح جنوب لبنان، 12 يوليو 2026.

‏11. ويكيبيديا الإنجليزية، مقالة الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني.

‏12. مجلس الأعمال الأمريكي القطري، مقال السفير محمد جهام الكواري عن صندوق قطر لكاترينا.

‏13. صندوق الصداقة القطري، خلفية الصندوق.

‏14. راديو دبنقا، جمع 3.7 مليار دولار لمشاريع دارفور في مؤتمر المانحين بالدوحة، أبريل 2013.

‏15. ويكيبيديا الإنجليزية، مقالة قطر الخيرية.

‏16. ويكيبيديا الإنجليزية، مقالة صندوق قطر للتنمية (نقلا عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية).

17ـ هيئة تنظيم الأعمال الخيرية ، نبذة تعريفية 

18 ـ الجزيرة نت، كيف أعاد الأمير الوالد صياغة الدور الإقليمي لقطر؟