النظام الإنساني لا يواجه مجرد نقص في التمويل، بل تحولا أعمق في بنيته. فالنموذج القائم على تدفق المساعدات من عدد محدود من المانحين التقليديين إلى المتلقين لم يعد كافيا في عالم تتضاعف فيه الأزمات وتتداخل، بينما تتراجع الموارد. لذلك يتجه المستقبل نحو منظومة أكثر تنوعا في التمويل، وأكثر محلية في القيادة، وأوسع اعتمادا على الشراكات والتكنولوجيا والتمويل الاجتماعي الإسلامي؛ وهو تحول يتيح للمؤسسات الإنسانية العربية والخليجية فرصة للانتقال من هامش النظام الدولي إلى موقع أكثر تأثيرا في تشكيله.
لعقود طويلة، قام النظام الإنساني الدولي على معادلة بدت مستقرة: تقع أزمة، فتُقدّر الاحتياجات، وتتحرك الحكومات المانحة والمنظمات الدولية لتعبئة التمويل، ثم تمر الموارد عبر شبكة من الوكالات والشركاء حتى تصل إلى المجتمعات المتضررة. وقد أنقذ هذا النموذج ملايين الأرواح، وخفف آثار الحروب والكوارث والنزوح، ورسّخ التضامن الدولي بوصفه التزاما أخلاقيا وعمليا تجاه الإنسان وقت الشدة.
لكن العالم الذي نشأ فيه هذا النموذج يتغير بوتيرة أسرع من قدرة النظام على التكيف. فالأزمات تتكاثر وتطول، والنزاعات تتسع، والصدمات المناخية تتواتر، بينما تتراجع الموارد المتاحة للاستجابة. وتكشف الأرقام عمق الاختلال: فقد انخفض حجم المساعدات الإنسانية الدولية من 47.4 مليار دولار عام 2023 إلى 33.3 مليار دولار عام 2025، أي بنحو 30 في المائة خلال عامين فقط. وفي عام 2025 وحده خسر النظام الإنساني 8.1 مليارات دولار من تمويله، ولم تحصل النداءات الإنسانية المنسقة من الأمم المتحدة سوى على 35 في المائة من احتياجاتها التمويلية. واضطرت خطط الاستجابة إلى تقليص نطاقها واستبعاد ملايين الأشخاص، فيما انخفض التمويل الموجّه إلى الجهات المحلية والوطنية بنسبة 27 في المائة خلال العام نفسه.
هذه ليست فجوة مالية عابرة يمكن سدها بجولة إضافية من التعهدات. إنها علامة على أزمة أعمق في النموذج نفسه. فهل يستطيع نظام يعتمد بدرجة كبيرة على عدد محدود من الحكومات المانحة أن يستمر بينما تتسع الأزمات وتتقلص الموازنات العامة المخصصة للمساعدات؟ ومن هنا يأتي الحديث عن «ما بعد المساعدات»، لا بوصفه إعلانا عن نهاية الإغاثة، بل تعبيرا عن نهاية مرحلة كان يُفترض فيها أن المساعدة وحدها تكفي.
عالم تتداخل فيه الأزمات
لم تعد الأزمات أحداثا منفصلة يمكن التعامل معها واحدا تلو الآخر. فقد يجتمع النزاع مع الجفاف وارتفاع أسعار الغذاء والطاقة والنزوح وانهيار الخدمات العامة في سياق واحد، ويؤدي كل عامل إلى مضاعفة أثر العوامل الأخرى. وهذا ما يعبّر عنه مفهوم “الأزمات المتعددة” (Polycrisis)، حيث تنتقل الصدمة من قطاع إلى آخر، ومن بلد إلى آخر، وتتجاوز آثارها الحدود الجغرافية والمؤسسية المعتادة.
في مثل هذا الواقع، لا يكفي سؤال: كيف نوصل المساعدة بأسرع وقت؟ بل ينبغي أن نسأل أيضا: كيف نقلل هشاشة المجتمع قبل وقوع الصدمة التالية؟ وكيف نربط الاستجابة الطارئة بالتنمية طويلة الأجل وبناء الصمود؟ إن تمويل الغذاء العاجل يظل ضروريا، لكنه لا يغني عن دعم سبل العيش، وتحسين إدارة المياه، وتعزيز الخدمات المحلية، والاستعداد المبكر للمخاطر. المطلوب إذن نموذج يعالج الاحتياج الآني، من دون أن يحصر المجتمع في دورة متكررة من الاعتماد على الإغاثة.
من المانح والمتلقي إلى الشراكة
يفرض هذا الواقع إعادة النظر في العلاقة التقليدية بين المانح والمتلقي. ففي النموذج القديم، كان طرف يمتلك المال ويحدد الأولويات، بينما ينفّذ طرف آخر. أما النظام الجديد فيحتاج إلى شراكات تُجمع فيها الموارد والمعرفة والخبرة والقدرة على الوصول إلى المجتمعات. فقد يمتلك شريك التمويل، ويمتلك آخر تخصصا تقنيا، بينما يمتلك الفاعل المحلي الثقة والمعرفة بالسياق والوجود المستمر في الميدان.
غير أن الشراكة لا تتحقق بمجرد تغيير اللغة المستخدمة في الاتفاقيات. فهي تعني مشاركة حقيقية في تحديد الأولويات وتصميم البرامج وتوزيع المخاطر والاعتراف بقيمة كل طرف. والسؤال الأكثر فائدة لم يعد: من يموّل من؟ بل: ما القيمة التي يستطيع الشركاء بناءها معا، وكيف تتحول العلاقة من تعاقد قصير الأجل إلى تعاون قادر على التعلم والتكيف وتحقيق أثر مستدام؟
التوطين: تمويل أقرب وقرار أكثر توازنا
تُعد المنظمات المحلية والوطنية، في كثير من الأزمات، الأقرب إلى المجتمعات والأقدر على فهم احتياجاتها. وهي غالبا ما تبقى في الميدان قبل وصول الجهات الدولية وبعد مغادرتها. ومع ذلك، تكشف نسبة الانخفاض البالغة 27 في المائة في التمويل الموجه إليها خلال عام 2025 أن الخطاب المتزايد حول التوطين لا يترجم دائما إلى موارد أو سلطة قرار.
التوطين الحقيقي لا يعني نقل أعباء التنفيذ إلى الشريك المحلي مع إبقاء التمويل والقرار والمخاطر في مكان آخر. بل يتطلب تمويلا مباشرا ومرنا، وتغطية عادلة للتكاليف المؤسسية، واستثمارا في القدرات، ومشاركة في الحوكمة والتصميم والتقييم. وهو لا يلغي دور المؤسسات الدولية، بل يعيد تعريفه: من قيادة الاستجابة نيابة عن الآخرين إلى تمكين قيادة أقرب إلى المجتمع، مع توفير الخبرة والتنسيق والحماية والمناصرة الدولية.
من سيموّل العمل الإنساني الجديد؟
إذا كانت الحكومات المانحة التقليدية غير قادرة وحدها على مواكبة الاحتياجات، فلا بد من توسيع قاعدة التمويل. ويمكن أن يشمل ذلك القطاع الخاص، والمؤسسات الخيرية، والتمويل المختلط والاستثمار المؤثر والتمويل القائم على التوقعات. وفي هذا السياق يتزايد اهتمام المنظمات الأممية والدولية بالعمل الخيري والتمويل الاجتماعي الإسلامي، ولا سيما الزكاة والصدقات والأوقاف والصكوك ذات الأثر الاجتماعي، باعتبارها موارد قادرة على دعم الإغاثة والتعافي وبناء الصمود.
لكن تنويع التمويل لا يعني تحويل العمل الإنساني إلى سوق. فالأشخاص الأشد احتياجا هم في الغالب الأقل قدرة على توليد عائد مالي، وبعض الخدمات المنقذة للحياة لا ينبغي أن تُقاس بمنطق الربحية. لذلك يجب التمييز بين ما يحتاج إلى منحة خالصة، وما يمكن تمويله بأداة استثمارية، وما يناسبه نموذج مختلط. المعيار ليس جاذبية الأداة المالية، بل قدرتها على حماية الكرامة وتلبية الاحتياج بكفاءة وعدالة.
ويقدم صندوق الزكاة للاجئين التابع للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين مثالا على هذا الاهتمام المؤسسي؛ ففي عام 2025 حشد الصندوق نحو 39 مليون دولار من الزكاة والصدقات، ووصل دعمه إلى أكثر من مليون لاجئ ونازح في 25 دولة. كما برزت صيغ وقفية وتمويلية أخرى تسعى إلى توفير موارد أكثر استدامة لقضايا اللجوء والنزوح. غير أن أهمية هذه التجارب لا تكمن في سد فجوة مؤقتة فحسب، بل في إدخال التمويل الإسلامي ضمن هندسة التمويل الإنساني بصورة مؤسسية ومنضبطة.
وفي الوقت نفسه، يجب ألا تتحول المصادر الجديدة إلى ذريعة لتراجع المسؤولية العامة. فالتمويل الإسلامي والخيري ينبغي أن يوسّع القدرة الجماعية ويضيف إليها، لا أن يصبح تعويضا دائما عن انسحاب التمويل الحكومي. كما ينبغي أن تُقاس قيمته بقدرته على حماية الكرامة والاستجابة لأولويات المجتمعات، لا بمجرد حجم الأموال التي يمكن تعبئتها.
التكنولوجيا: فرصة مشروطة بالثقة
ستؤدي التكنولوجيا والبيانات والذكاء الاصطناعي دورا متزايدا في تقدير الاحتياجات وتحليل المخاطر وإدارة الموارد وتوقع الأزمات. ويمكن للأدوات الرقمية أن تساعد على توجيه المساعدة بسرعة أكبر، وتقليل الهدر، وتحسين التواصل مع المجتمعات. كما قد تتيح للمنظمات المحلية الوصول إلى المعرفة والأسواق والمنصات التمويلية بصورة لم تكن ممكنة من قبل. ولمزيد من التفصيل اقرأ الذكاء الاصطناعي وآفاق تطوير العمل الإنساني.
لكن الاستجابة الإنسانية تتعامل مع بيانات شديدة الحساسية تخص أشخاصا يعيشون في أوضاع هشّة. وأي خطأ في جمعها أو مشاركتها أو تفسيرها قد يؤدي إلى الإقصاء أو التمييز أو تعريض الأفراد للخطر. لذلك لا يكفي أن نسأل ما الذي تستطيع الخوارزمية فعله؛ بل يجب أن نسأل من صممها، وعلى أي بيانات تدربت، ومن يراجع قراراتها، وكيف يستطيع المتضرر الاعتراض عليها. التكنولوجيا الجيدة هي التي تعزز الحكم الإنساني والمساءلة، لا التي تحل محلهما.
فرصة للمؤسسات العربية والخليجية
تفتح هذه التحولات نافذة مهمة أمام المؤسسات الإنسانية العربية والخليجية. فالمنطقة لا تمتلك موارد مالية فقط، بل تمتلك خبرة ميدانية واسعة، وصلات عميقة بمجتمعات الجنوب العالمي، وتقاليد راسخة في الزكاة والوقف والصدقة، وقدرة على بناء جسور بين المؤسسات الدولية والوطنية. ويمكن لهذه المقومات أن تسهم في صياغة نماذج تمويل أكثر تنوعا، وشراكات أكثر توازنا، واستجابات تراعي السياق والقيم المحلية.
غير أن اغتنام الفرصة يتطلب تجاوز دور «المانح الإضافي» داخل المنظومة القائمة. فالمطلوب استثمار أكبر في البحث والمعرفة، والبيانات، وتطوير الأدوات المالية، وبناء قدرات العاملين، والحضور في منصات وضع السياسات والمعايير. كما يتطلب شراكات تقوم على التمويل والتنفيذ والمناصرة المشتركة، لا على التمويل أحادي الاتجاه. وبهذا تستطيع المؤسسات العربية أن تنتقل من تلقي التوجهات الدولية إلى المشاركة في صياغتها واختبار بدائلها.
الخاتمة: ما بعد المساعدة وحدها
لن تنتهي الحاجة إلى المساعدات الإنسانية؛ بل قد تصبح أشد إلحاحا في عالم مضطرب. لكن الذي ينبغي أن ينتهي هو الاعتقاد بأن ضخ مزيد من المال عبر القنوات نفسها كافٍ لمواجهة أزمات أكثر تعقيدا واستدامة. فالنظام الإنساني الجديد يحتاج إلى قاعدة تمويل أوسع، وقيادة محلية أقوى، وشراكات أكثر توازنا، وتقنية مسؤولة، وربط أوثق بين الإغاثة والتنمية والاستعداد للمخاطر.
لذلك لا يتمثل السؤال في كيفية إنقاذ النظام القائم كما هو، بل في كيفية بناء نظام أكثر عدلا ومرونة وفاعلية. وإذا كان هذا التحول قد بدأ بالفعل، فإن المؤسسات الإنسانية العربية والإسلامية أمام فرصة ومسؤولية معا: ألا تبحث فقط عن مكان أكبر داخل البنية القديمة، بل أن تسهم في تشكيل البنية المقبلة. فالسؤال الحاسم ليس: أين سيكون موقعنا في النظام الإنساني الجديد؟ بل: ما الرؤية والموارد والخبرة التي سنضيفها إليه، ولصالح من؟
ملامح النظام الإنساني الجديد باختصار
ماذا يعني «ما بعد المساعدات»؟
لا يعني نهاية الإغاثة، بل نهاية مرحلة كان يُفترض فيها أن المساعدة وحدها تكفي، والانتقال إلى نظام أوسع في التمويل وأقرب إلى القيادة المحلية وأكثر اعتمادا على الشراكات.
كم تراجع التمويل الإنساني الدولي؟
انخفضت المساعدات الإنسانية الدولية من 47.4 مليار دولار عام 2023 إلى 33.3 مليار دولار عام 2025، أي بنحو 30 في المائة خلال عامين، بحسب تقرير المساعدات الإنسانية العالمية 2026.
ما دور التمويل الاجتماعي الإسلامي في العمل الإنساني؟
الزكاة والصدقات والأوقاف والصكوك ذات الأثر الاجتماعي موارد قادرة على دعم الإغاثة والتعافي وبناء الصمود، على أن توسّع القدرة الجماعية لا أن تعوض انسحاب التمويل الحكومي.
ما الفرصة أمام المؤسسات العربية والخليجية؟
أن تنتقل من دور المانح الإضافي إلى المشاركة في صياغة النظام الإنساني الجديد، عبر خبرتها الميدانية وتقاليد الزكاة والوقف، والاستثمار في المعرفة والأدوات المالية والشراكات المتوازنة.



