لي جونهوا: التنمية الاجتماعية أساس مستقبل أكثر عدلاً

حوار مع لي جونهوا حول دور التنمية الاجتماعية والحماية الاجتماعية في تعزيز العدالة ومواجهة الفقر وفق إعلان الدوحة السياسي.

السيد/ لي جونهوا وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الاقتصادية والاجتماعية

بين تعقّد الأزمات وتسارع التحوّلات المناخية والرقمية، أعادت القمّة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في الدوحة ترتيب الأولويات على نحوٍ يضع الإنسان في قلب صنع القرار، عبر «إعلان الدوحة السياسي» الذي جدّد الالتزام بالقضاء على الفقر، وتوفير العمل اللائق، وتعزيز الاندماج الاجتماعي، باعتبارها أولويات مترابطة لا تُنجز إلا بسياسات متكاملة تُشرك المجتمع بأسره، ومتسقةً مع خطة التنمية المستدامة لعام 2030.

في هذا الحوار الخاص مع مجلة «غراس»، يقدّم السيد/ لي جونهوا، وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الاقتصادية والاجتماعية، رؤيةً عملية لترجمة هذه التعهّدات إلى سياسات قابلة للتنفيذ، ودور الحماية الاجتماعية بوصفها حقًا وركيزةً للصمود، وآليات المساءلة والشفافية والمشاركة المجتمعية؛ كما يتناول دمج التنمية الاجتماعية مع أهداف العمل المناخي والتحوّل الرقمي من أجل مستقبلٍ عادلٍ وشاملٍ لا يترك أحدًا خلف الركب، ويتوقف عند تحدّيات البلدان النامية في التمويل والحوكمة وتحولات سوق العمل وتداعياتها على الثقة والتماسك الاجتماعي.

الحوار كاملا

سؤال: من وجهة نظركم، كيف يمكن تحويل التوصيات الرئيسية الصادرة عن القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية إلى سياسات قابلة للتنفيذ على المستويين العالمي والإقليمي؟

كانت القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية أكبر تجمع دولي وأكثره نجاحًا في مجال التنمية الاجتماعية خلال السنوات الأخيرة. فقد جمعت الدول الأعضاء، ومنظومة الأمم المتحدة، ومنظمات المجتمع المدني، والأوساط الأكاديمية، وشركاء آخرين، لتجديد التزام عالمي مشترك بمواجهة الفقر، وتعزيز العمل اللائق، وترسيخ الإدماج الاجتماعي. والتحدي المطروح اليوم هو ضمان أن تتحول هذه الالتزامات إلى سياسات عملية قابلة للتنفيذ على المستويين العالمي والإقليمي. ولتحقيق ذلك، نحتاج إلى إدماج رفاه الإنسان في صلب الخطط الوطنية للتنمية، والموازنات العامة، وأنظمة تقديم الخدمات، بما يضمن تحسينات ملموسة في الأمن المالي والدخل، والرعاية الصحية، وخدمات الدعم الاجتماعي عبر مختلف مراحل الحياة.

تحديات لا تعترف بالحدود

وتزداد أهمية هذا الأمر في سياق اليوم؛ فالحاجة باتت أكثر إلحاحًا، لكنها في الوقت نفسه تفتح أبوابًا لإمكانات جديدة. لقد أصبحت الفوارق بين الشمال والجنوب، أو بين الدول المتقدمة والنامية، أقل حدّة مما كانت عليه. فنحن نواجه على شكل متزايد تحديات مشتركة لا تعترف بالحدود—مثل تغيّر المناخ، والنزاعات، وضغوط الهجرة، واتساع فجوات عدم المساواة. وفي المقابل، توجد فرص كبيرة، خصوصًا في تسخير التغير التكنولوجي لتحسين حياة الناس. إن القمة، إلى جانب الأطر الأخرى—مثل ما صدر عن قمة أهداف التنمية المستدامة لعام 2023، والمؤتمر الدولي الرابع لتمويل التنمية (التزام إشبيلية)، وإعلان الدوحة السياسي—قد حدّدت بالفعل ما ينبغي القيام به. ويبقى الآن تحويل هذه الالتزامات إلى واقع ملموس عبر تعاون أكبر بين الدول، وشراكة أقوى بين الحكومة والمجتمع، وتركيز شديد على نتائج واضحة تضمن ألا يُترك أحد خلف الركب.

ومن جهتها، ستواصل منظومة الأمم المتحدة دعم هذا المسار. وفي نهاية المطاف، يمكن لتوصيات القمة أن تُحدث أثرًا تحويليًا إذا ما توفّرت حوكمة قوية، ومشاركة مجتمعية حقيقية، وآليات تنفيذ فعّالة تساهم في تحسين حياة الناس في كل مكان، غير أن تحقيق ذلك يتطلب إرادة سياسية ثابتة لا تتراجع.

ما أهم التحديات التي تواجه تنفيذ هذه المخرجات في البلدان النامية؟

أولًا: فجوات التمويل والحوكمة. فالكثير من البلدان لا تمتلك حيّزًا ماليًا كافيًا يتيح لها بناء أنظمة حماية اجتماعية شاملة، أو ضمان إتاحة خدمات صحية وتعليمية عالية الجودة للجميع إلى جانب خدمات أساسية أخرى. كما بلغت أعباء الديون مستويات قياسية، ما يزيد من تقييد السياسة الوطنية. وتُضاف إلى ذلك اختلالات بنيوية في الهيكل المالي العالمي—ومنها محدودية التمويل الميسّر—الأمر الذي يزيد من تقييد القدرة على الاستثمار الاجتماعي. وفي كثير من الدول النامية، تنعكس هذه القيود بصورة غير متوازنة على كبار السن على وجه الخصوص، إذ يعتمد عدد كبير منهم على الاقتصاد غير الرسمي، وعلى الخدمات العامة، وعلى شبكات الدعم غير الرسمية لتأمين رفاههم والاستقرار في حياتهم اليومية.

الاستثمار الاجتماعي

ثانيًا: التوترات الجيوسياسية والنزاعات. فرغم أن الصراعات ليست تحديًا جديدًا، فإن آثارها الإنسانية اليوم شديدة القسوة. كما أن احتدام التنافسات الجيوسياسية يُضعف التعاون متعدد الأطراف، ويحدّ من حجم الدعم الدولي اللازم لتحويل الالتزامات إلى تنفيذ فعلي. وإلى جانب ذلك، تدفع هذه الأجواء إلى تحويل الموارد نحو الإنفاق العسكري، مما يقلّص الحيّز المالي المتاح للاستثمار الاجتماعي في أشد أوقات الحاجة إليه.

ثالثًا: التحديات الاجتماعية التي تُبطئ التقدم. تُظهر خلاصات التقرير الاجتماعي العالمي 2025 الصادر عن إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية بالأمم المتحدة كيف أن تصاعد انعدام الأمان والقلق بشأن المستقبل وارتفاع مستوى عدم المساواة باتت تغذّي تراجع الثقة وتُعمّق الانقسامات الاجتماعية والسياسية. وإذا لم تُواجَه هذه الأزمة الاجتماعية بجدية، فإنها ستُضعف التضامن وتُقوّض روح العمل متعدد الأطراف.  

رابعًا: تحوّلات سوق العمل أسرع من قدرة السياسات على التكيّف معها. فالكثير من اتساع اللامساواة وتنامي شعور الناس بانعدام الأمان يرتبطان بدرجة كبيرة بديناميكيات سوق العمل. إذ ما يزال العمل غير الرسمي مرتفعًا للغاية، فيما تتوسع الوظائف الهشّة/غير المستقرة، بما فيها أشكال جديدة مثل العمل عبر المنصات الرقمية. ولا يستفيد العاملون في هذه الوظائف إلا قليلاً من الاستثمارات الاجتماعية وسياسات سوق العمل.

وعلى الرغم من أن تحوّلات سوق العمل كثيرًا ما تُغفل وسط “الاتجاهات الكبرى” (Megatrends) التي تطغى على المشهد اليوم، فإن آثارها على النتائج الاجتماعية عميقة وحاسمة. لذا جب أخذها في الاعتبار جنبًا إلى جنب مع التحديات العالمية الأخرى—مثل تغيّر المناخ، والابتكار الرقمي، والذكاء الاصطناعي—عند تقييم قدرة الدول على الاستثمار في التقدم الاجتماعي، وتنفيذ مخرجات القمة.

كيف ترون العلاقة المتبادلة بين التنمية الاجتماعية وأهداف التنمية المستدامة (SDGs)؟ وهل تم إحراز تقدم ملموس في مواءمة هذه الأجندات؟

إن تنفيذ خطة التنمية الاجتماعية والتقدم نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة ليسا مسارين منفصلين، بل هما جزءان من أجندة واحدة مشتركة. فعند اعتماد خطة التنمية المستدامة لعام 2030، التزمت الدول الأعضاء بتحقيق التنمية المستدامة بأبعادها الثلاثة—الاقتصادية والاجتماعية والبيئية —على نحو متكامل وغير قابل للتجزئة. كما أكدت، بصورة صريحة، أن الأجندة تستند إلى مخرجات القمة العالمية الأولى للتنمية الاجتماعية وغيرها من المؤتمرات كأساس للأجندة، مدركة أن هذه الالتزامات مترابطة – وبالتالي تتطلب حلولاً شاملة ومنسقة.

القضاء على الفقر

إن أهداف القضاء على الفقر بجميع أشكاله وأبعاده، وتعزيز التوظيف الكامل والعمل اللائق، وتعزيز الاندماج الاجتماعي، تقع في صميم كل من إعلاني كوبنهاغن والدوحة وخطة التنمية المستدامة لعام 2030.

ولا تقتصر مخرجات كوبنهاغن والدوحة على توضيح ما ينبغي تحقيقه فحسب، بل تقدّم أيضًا “خارطة طريق” للتقدّم. فهي تضع إرشادات عملية قابلة للتطبيق على المستويين الوطني والدولي بشأن السياسات والظروف المواتية اللازمة لتحقيق هذه الأهداف. ويمكن أن يُسهم الاستفادة من هذه الإرشادات في الحفاظ على الزخم نحو تنفيذ خطة التنمية المستدامة لعام 2030.

الشفافية عنصرٌ أساسي لبناء الثقة وتحقيق الأثر. برأيكم، ما الآليات الجوهرية التي ترونها ضرورية لضمان المساءلة عند تنفيذ برامج التنمية الاجتماعية على مستوى العالم؟

أولًا: البيانات الدقيقة ضرورة لفهم من يُترك خلف الركب وكيف يحدث ذلك. فالصورة الحالية عن الفوارق بين الناس—من حيث الدخل، والنوع الاجتماعي، وحالة الإعاقة، والموقع الجغرافي، وغيرها من العوامل—ما تزال ناقصة للغاية، مما يجعل من الصعب تقييم ما إذا كانت السياسات تقلّص الفقر وعدم المساواة أم تزيدهما. وهذا يستدعي الاستثمار في قدرات الرصد والمتابعة على جميع المستويات، إلى جانب إنشاء آليات مؤسسية تضمن الاستجابة الفعّالة. إن المساءلة القوية تعتمد على قيام الدول الأعضاء بتحديد أهداف واضحة، وجمع البيانات واستخدامها ونشرها بشكل مفصّل حسب الفئات العمرية، وتخصيص الموارد، وتمكين آليات متابعة تشاركية.

شراكات حقيقية

ثانيًا: المشاركة الفاعلة للفئات الأكثر تأثرًا بالبرامج المحددة أمرٌ بالغ الأهمية. فقد شدّد كلٌّ من إعلان كوبنهاغن وإعلان الدوحة على أن التنمية يجب أن تتمحور حول الإنسان. وفي التطبيق العملي، يعني ذلك بناء شراكات حقيقية مع المجتمع المدني، والمنظمات القاعدية، والمجتمعات المهمّشة في تنفيذ البرامج. يجب أن تكون أصواتهم حاضرة في تحديد الأولويات، ومتابعة التنفيذ، وتقييم النتائج.

ثالثًا: قنوات الإبلاغ العام المتاح وآليات التظلّم الفعّالة ضرورية لضمان المساءلة. يجب أن تتيح هذه الآليات للأفراد والمجتمعات الإبلاغ عن المشكلات والتأثير في تصحيح السياسات دون التعرض لأي انتقام.

ومع ذلك، تبقى الشفافية الإجرائية بلا قيمة إذا لم تُترجم إلى تغيير حقيقي. فالثقة تُبنى من خلال نتائج ملموسة تُحسّن حياة الجميع.

ما التدابير التي ينبغي اتخاذها لتعزيز قدرة النظم الاجتماعية على الصمود أمام الأزمات المستقبلية؟

تُظهر الأزمات الأخيرة كيف يمكن أن يتلاشى التقدّم بسرعة عندما تفتقر المجتمعات إلى القدرة على الصمود. وبناء هذه القدرة يتطلب تحوّلًا في السياسات والمجتمعات لتوفير أمن اقتصادي واسع النطاق للجميع قبل أن تضرب الأزمة التالية. ويعني ذلك ضمان وصول السياسات الاقتصادية والاجتماعية إلى كل فرد، وأن تعكس الرؤية المتكاملة التي تقوم عليها خطة التنمية المستدامة لعام 2030.

استجابات شاملة

نعرف ما يُجدي نفعًا لتعزيز القدرة على الصمود. تُعدّ الحد الأدنى للحماية الاجتماعية الشاملة أساسية. فقد حققت الدول التي تمتلك أنظمة شاملة للتأمين ضد البطالة، والتغطية الصحية، واستحقاقات الأطفال، والمعاشات التقاعدية، أداءً أفضل خلال الأزمات، بما فيها جائحة كوفيد-19، وتعافت بشكل أسرع. وإن التغطية الشاملة أكثر فاعلية من البرامج الضيقة الاستهداف؛ فهي تتيح استجابات شاملة من دون التأخير والمخاطر المرتبطة بآليات الاستهداف المعقدة، خصوصًا في حالات الطوارئ. ويمكن تعزيز هذه الأنظمة الشاملة بآليات تكيفية تتوسع تلقائيًا عند الحاجة، مثلًا بعد كارثة مناخية.

إن تعزيز أنظمة الصحة والتعليم ورعاية الأطفال والرعاية طويلة الأجل يُسهم في بناء القدرة على مواجهة الأزمات وتحقيق التنمية المستدامة. ويمكن للمنصات الرقمية أن تدعم مرونة الخدمات العامة، لكن يجب ألا تستبعد الملايين ممن يفتقرون إلى الاتصال أو الهوية الرقمية. كما تتطلب القدرة على الصمود تمكين المؤسسات المحلية ومنظمات المجتمع المدني من تحديد المخاطر وتنسيق الاستجابات وضمان عدم ترك أي فرد خلف الركب.

إن تحقيق القدرة على الصمود والأمن الاقتصادي يتطلب التزامًا سياسيًا واستثمارًا ملموسًا. ففي الدوحة، جدّدت الدول تأكيدها على أهمية تخصيص موارد كافية للتنمية الاجتماعية، وعلى ضرورة إصلاح المؤسسات المالية الدولية لدعم هذا العمل الوطني.

ما الآثار المترتبة على دمج التنمية الاجتماعية مع أهداف العمل المناخي والتحوّل الرقمي، كما شددت عليه توصيات القمة؟

يعترف إعلان الدوحة السياسي بأهمية النهج المتكاملة؛ فلا يمكن التعامل مع العمل المناخي والتحوّل الرقمي والتنمية الاجتماعية بمعزل عن بعضها. إن ميثاق المستقبل وما يتضمنه من الميثاق الرقمي العالمي، اللذان تم اعتمادهما عام 2024، يوفّران إطارًا مشتركًا لضمان أن تخدم هذه التحوّلات الإنسانية جمعاء.

إن العمل المناخي، على سبيل المثال، يتطلب خفض الانبعاثات الكربونية، لكن من دون توفير الحماية الاجتماعية للعمال المهجرين والمجتمعات الهشّة، ستتفاقم فجوة عدم المساواة. ويمكن للتكنولوجيا أن توسّع نطاق الوصول إلى الخدمات، لكن ذلك لن يتحقق إلا إذا أُغلقت الفجوات الرقمية، وبُنيت المعرفة الرقمية، وضُمنت الحماية من التمييز الخوارزمي. إن الوظائف الخضراء تعالج البطالة والأهداف البيئية في آن واحد، لكننا بحاجة إلى مشاركة حقيقية من الفئات المتأثرة في تصميم المسارات المستقبلية. إن نهج السياسة المتكامل يلتقط هذه الروابط ويستفيد منها، أما النهج المجزأ فيفقدها.

كسر الحواجز

ويجب أن تكون العدالة هي البوصلة التي توجه هذه التحولات. فقد شدّد كلٌّ من إعلان الدوحة السياسي وميثاق المستقبل والميثاق الرقمي العالمي على أهمية النهج الذي محوره الإنسان. فالتحولات التي تُصمَّم من دون إشراك المجتمعات قد تضرّ بمن تهدف إلى مساعدتهم. لذلك، يجب أن يكون لدى الشعوب الأصلية والنساء والشباب والمجموعات المهمّشة سلطة فعلية في رسم الاستراتيجيات المتكاملة. ويتطلب الدمج أيضًا كسر الحواجز بين الوزارات وآليات التمويل. إن الدعوة التي أطلقها ميثاق المستقبل لإصلاح العمل متعدد الأطراف أمرٌ أساسي، لأن هذه التحديات تتجاوز الحدود وتحتاج إلى استجابة عالمية منسّقة.

كما أن دمج التنمية الاجتماعية مع خطط المناخ والتحوّل الرقمي يجب أن يعالج مخاطر الإقصاء التي يواجهها كبار السن، ويزيل الحواجز أمام مشاركتهم، ويستفيد من الحلول الرقمية والمقاومة للمناخ لتحسين الوصول إلى الخدمات والدعم.

أبرز إعلان الدوحة السياسي وتوصيات القمة الدور الحيوي للمجتمع المدني والشباب والأوساط الأكاديمية. ما الآثار العملية الجوهرية التي يمكن أن يحققها هذا التركيز؟

إن التركيز القوي في إعلان الدوحة السياسي على الدور الحتمي للمجتمع المدني والشباب والأوساط الأكاديمية وغيرها من الفاعلين الاجتماعيين يمثّل تحوّلًا مقصودًا نحو نهج شامل يضمّ المجتمع بأسره في مسار التنمية الاجتماعية. كما يبرز الإعلان أهمية النهج المتمحور حول الإنسان عبر مختلف مراحل الحياة، مع التأكيد على كبار السن بوصفهم مشاركين فاعلين ومساهمين حقيقيين في التنمية الاجتماعية، لا مجرد متلقّين لها.

وعلى المستوى العملي، يجب على الحكومات أن تُنشئ وتُحافظ على مساحات مؤسسية من أجل مساهمات هادفة. وتشمل هذه المساحات مؤسسات الحوار الاجتماعي، والمجالس الاقتصادية والاجتماعية، والمجالس الوطنية للتنمية، ومنصات الشباب، وغيرها من الآليات الاستشارية. فهذه الهياكل ضرورية لإدماج التجارب الحياتية الواقعية، والمعرفة الفنية، ووجهات نظر المجتمعات في صياغة الاستراتيجيات الوطنية وتنفيذها ومتابعتها.

تعزيز الثقة

عندما يستند الحوار إلى حسن النية واحترام حرية تكوين الجمعيات، تكون الإمكانات التحويلية كبيرة. فإشراك المجتمع المدني والنقابات العمالية والأوساط الأكاديمية والسلطات المحلية والمنظمات الدينية بشكل كامل يجعل السياسات أكثر استجابة ومرتكزة على الأدلة. إن هذا النهج الشامل يعزز الثقة في المؤسسات، ويحسّن المساءلة من خلال الرقابة المجتمعية، ويحفّز الابتكار. والأهم من ذلك، يصبح التنفيذ أكثر فاعلية، لأن السياسات التي تُصاغ بشكل جماعي تحظى بملكية عامة ودعم شعبي حقيقي.

يذكّرنا إعلان الدوحة السياسي بالحاجة إلى ترسيخ ثقافة حوكمة تكون فيها المشاركة أداةً أساسية لصنع السياسات الفعّالة، بما يضمن ترجمة التزامات التنمية الاجتماعية إلى تقدّم ملموس على أرض الواقع.

هل لدى الأمم المتحدة خطط لتعزيز الحماية الاجتماعية أثناء حالات الطوارئ؟

إن رؤية الأمم المتحدة للحماية الاجتماعية ليست مجرد إضافة طارئة، بل هي أداة شاملة تعزز قوة المجتمعات، وتبني قدرتها على الصمود، وتمكّنها من الاستجابة الفعّالة للأزمات، وفي الوقت نفسه تدفع عجلة التنمية الاجتماعية والاقتصادية على المدى الطويل.

نحن نولي دور الحماية الاجتماعية أهمية متزايدة، سواء في الظروف “الطبيعية” أو في سياقات الأزمات.

الإدماج الاجتماعي

يعزّز إعلان الدوحة السياسي هذا النهج، واضعًا الحماية الاجتماعية في صميم خطة التنمية الاجتماعية، لا باعتبارها شبكة أمان، بل كركيزة أساسية للقضاء على الفقر، وتوفير العمل اللائق، وتعزيز الإدماج الاجتماعي. لقد وباتت الحماية الاجتماعية تُعتبر حقاً أساسياً وركيزة مهمة لبناء مجتمعات عادلة وشاملة وقادرة على الصمود، وليس مجرد تدبير رفاهي مؤقت للرعاية الاجتماعية.

وفي حالات الطوارئ، لهذا النهج انعكاسات عملية. فقد شدّد إعلان الدوحة السياسي على ضرورة تحقيق التغطية الشاملة وتوفير الحد الأدنى للحماية الاجتماعية، محددًا أهدافًا للتوسّع التدريجي في نطاق التغطية حتى أثناء الأزمات، وربط الحماية الاجتماعية بعمليات إضفاء الطابع الرسمي على العمل، والمساواة بين الجنسين، وأعمال الرعاية، والتحوّلات الديموغرافية، وكذلك التحوّلات الخضراء والرقمية. وستواصل الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة، مثل منظمة العمل الدولية (ILO)، دعم الدول الأعضاء والشركاء من خلال المشورة الفنية وبناء القدرات.

يشدّد الإعلان أيضًا على أهمية التمويل المستدام لأنظمة الحماية الاجتماعية، وهي مسؤولية تتجاوز إلى حدّ كبير نطاق عمل الأمم المتحدة. ويتطلب تحقيق ذلك تضامنًا دوليًا واستراتيجيات وطنية لجعل أنظمة الحماية الاجتماعية قادرة على الصمود أمام الصدمات الاقتصادية، والمناخية، والتكنولوجية، والديموغرافية.

أجرى الحوار: محمد عطاء الرب