الشراكات أساس تكامل الأدوار وتوحيد منظومة الرعاية الاجتماعية الوطنية

في هذا الحوار يكشف السيد فيصل الفهيدة عن دور مركز الأقربون كإطار مؤسسي للرعاية الاجتماعية، يرتكز على الحوكمة والتحول الرقمي والشراكة الوطنية.

السيد فيصل الفهيدة رئيس "مركز الأقربون":

السيد فيصل الفهيدة رئيس "مركز الأقربون"

يُعد “مركز الأقربون” التابع لقطر الخيرية والذي أسس نهاية العام الماضي 2025 امتدادا مؤسسيا لخبرة ممتدة لعقود، منذ تأسيس قطر الخيرية، في مجال الرعاية الاجتماعية والمساعدات الإنسانية داخل دولة قطر. غير أن هذا الامتداد يأتي اليوم بصيغة أكثر تخصصا وتنظيما، تعكس تطور فهم العمل الاجتماعي من كونه استجابة ظرفية للاحتياجات، إلى كونه منظومة متكاملة قائمة على التخطيط الاستراتيجي، والحوكمة، والشفافية، والابتكار، والتكامل مع الجهات الوطنية ذات الصلة.

فمن خلال “مركز الأقربون”، تعمل قطر الخيرية على الارتقاء بمستوى الخدمات الاجتماعية، ورفع كفاءة الاستهداف، وضمان عدالة التوزيع، وصون كرامة المستفيدين، مع توظيف الحلول الرقمية وبناء الشراكات المؤسسية؛ بما يعزز الاستدامة ويعمق الأثر الاجتماعي.
وفي هذا الحوار مع السيد فيصل الفهيدة، رئيس “مركز الأقربون”، تفتح مجلة “غراس” نافذة على دوافع تأسيس المركز، وملامح التحول المؤسسي الذي يمثله، وأبرز إنجازاته خلال فترة وجيزة، لا سيما في المواسم الإنسانية، إضافة إلى رؤيته المستقبلية لترسيخ “الأقربون” كمرجع وطني في منظومة الرعاية الاجتماعية داخل دولة قطر.

دوافع التأسيس

يمثل مركز “الأقربون” امتدادا لعمل قطر الخيرية في مجال الرعاية والمساعدات الاجتماعية داخل قطر، لكن بهوية جديدة؛ ما هي دواعي التأسيس، وكيف ترون موقع المركز ودوره في منظومة العمل الاجتماعي والإنساني داخل دولة قطر؟
جاء تأسيس “مركز الأقربون” كتطوير مؤسسي لخبرة قطر الخيرية المتراكمة في الرعاية الاجتماعية داخل الدولة، وفي توقيت تتنامى فيه الاحتياجات المجتمعية بما يتطلب جهة مرجعية أكثر تخصصا وتنظيما. حيث يركز المركز على تحويل المساعدة من استجابة آنية فقط إلى منظومة مستدامة ذات أثر، عبر التخطيط الاستراتيجي، والتحقق من الاستحقاق، وتعزيز الشفافية والحوكمة، وبناء شراكات وطنية. ودورنا أن نكون مرجعا وطنيا يسهم في تكامل منظومة العمل الاجتماعي والإنساني داخل قطر، ويرفع كفاءة الاستهداف وجودة الخدمة مع احترام كرامة المستفيدين.

التميّز المؤسسي

ما الذي يميز مركز “الأقربون” عن غيره من الجهات العاملة في مجال المساعدات داخل الدولة، سواء على مستوى فلسفة التدخل أو الأدوات المستخدمة؛ مثل “الكوبون الذكي” وتطبيق الأقربون أو الحلول الرقمية المبتكرة الأخرى؟
ما يميّز مركز الأقربون هو الجمع بين النهج الإنساني والحوكمة والابتكار الرقمي. نحن لا نقدم المساعدة بوصفها إجراء فقط، بل ضمن منظومة متكاملة تقوم على معايير استحقاق واضحة، وتحقق رقمي، وتوثيق وشفافية، بما يرفع كفاءة الاستهداف ويحفظ كرامة المستفيد. كما نعتمد على التكامل مع منصات البيانات الرسمية مثل منصة “سندي” لتسريع دراسة الطلبات وتقليل العبء على الأسر، ونعمل على حلول مرنة ذكية مثل توزيع القسائم أو الكوبونات الشرائية، والأدوات الرقمية التي تسهل وصول الدعم لمستحقيه بشكل أسرع وأكثر دقة.

منظومة متكاملة

بحكم الخبرة المتراكمة لقطر الخيرية، كيف تطورت آليات تقديم المساعدات والكفالات والمشاريع الإنسانية لدى “الأقربون” مقارنة بالبدايات؟ وما أبرز التحولات التي أحدثتها هذه النقلة المؤسسية؟
خبرة قطر الخيرية في الرعاية الاجتماعية داخل الدولة ممتدة، وجاء مركز الأقربون ليترجم هذه الخبرة إلى نموذج مؤسسي أكثر تخصصًا. التحول الأبرز هو الانتقال من إدارة المساعدات بصيغتها التقليدية إلى منظومة متكاملة ترتكز على التخطيط الاستراتيجي، ومعايير الاستحقاق والتحقق، والحوكمة والشفافية، وقياس الأثر. وخلال السنوات الماضية (2023–2025) تجاوزت المساعدات داخل قطر 624 مليون ريال، واستفاد منها أكثر من 300 ألف شخص. ومع انطلاقة المركز نعمل على رفع جودة الخدمة وتسريع الإجراءات عبر حلول رقمية وشراكات وطنية؛ بما يضمن عدالة الاستهداف واستدامة الأثر. كما حرصنا على إعداد “دليل المساعدات الاجتماعية لمركز الأقربون” بوصفه مرجعا شاملا يُعد الأول والفريد من نوعه في قطر؛ إذ يوحّد المفاهيم، ويحدّد الفئات المستهدفة، وأنواع المساعدات، ومعايير الاستحقاق، ويضبط الإجراءات وصلاحيات البت، ويرسّخ ضوابط الخصوصية وصون كرامة المستفيدين.

رمضان ..الحشد والتفاعل

يشكّل شهر رمضان ذروة العمل الاجتماعي؛ كيف تصفون تجربة المركز خلال رمضان عام 1447 هـ؟ وما أبرز مخرجاتها على مستوى حجم المساعدات ونطاق المستفيدين والأثر الاجتماعي؟
رمضان الماضي لعام 1447 هـ مثّل موسما محوريا لرفع أثر الرعاية الاجتماعية، وتجربتنا كانت عالية الكثافة من حيث الحشد والتفاعل وتنوع قنوات الوصول. على مستوى الأرقام، استهدفنا 100 مليون ريال، وتم تحصيل نحو 95.7 مليون ريال ضمن حملة الأقربون (رمضان 1447هـ)، وتوزعت على مسارات دعم متعددة شملت الغارمين، والصحة، والأسر المتعففة وغيرها. أما على مستوى الأثر، فالأهم بالنسبة لنا ليس حجم المبالغ فقط، بل تحويلها إلى تدخلات تُخفف الأعباء عن الأسر وتدعم استقرارها، مع تعزيز الشفافية والتوثيق، وتوسيع الشراكات والتغطية الإعلامية للوصول إلى أكبر شريحة من المجتمع.

حوكمة الإجراءات

كيف تُدار وتُنظّم عمليات المركز لضمان تقديم المساعدات والكفالات بأعلى درجات الكفاءة، مع تحقيق العدالة في الاستهداف، والاستدامة في الأثر، والحوكمة في الإجراءات؟
ندير عملياتنا عبر منظومة متكاملة تبدأ بتحديد معايير الاستحقاق، وإجراء البحث الاجتماعي، وتستند إلى التحقق الرقمي والربط مع البيانات الرسمية لتقليل أي هامش خطأ. كما نعمل بسقوف مالية وسياسات ترشيد إنفاق تضمن عدالة التوزيع واستدامة الأثر، ونلتزم بالتوثيق ورفع التقارير الدورية لتعزيز الشفافية. وعلى مستوى الحوكمة، نطوّر باستمرار إجراءات الجودة والامتثال والرقابة الداخلية، مع الالتزام التام بأن تكون كرامة المستفيد في صميم كل خطوة من خطوات تقديم الخدمة.

الشراكات الوطنية

إلى أي مدى يعتمد المركز على الشراكات مع الجهات المحلية ذات الصلة؟ وكيف يسهم ذلك في تعظيم الأثر الاجتماعي وتكامل الأدوار داخل المنظومة الوطنية للرعاية الاجتماعية؟
الشراكات ركيزة أساسية في نموذج عمل “الأقربون” لأنها تضمن تكامل الأدوار وتوحيد الجهود داخل المنظومة الوطنية للرعاية الاجتماعية. لدينا شراكة استراتيجية ممتدة مع وزارة التنمية الاجتماعية والأسرة للعام الثالث على التوالي لدعم الأسر القطرية المتعففة، كما نعتمد على التكامل مع هيئة تنظيم الأعمال الخيرية عبر منصة “سندي” لرفع كفاءة التحقق وتسريع الإجراءات. وإلى جانب ذلك، نعمل على توسيع الشراكات مع القطاع الخاص والبنوك والمؤسسات ضمن برامج المسؤولية المجتمعية، بما يضاعف الأثر ويزيد من قدرة المركز على تلبية الاحتياجات المتنوعة داخل الدولة.

التخطيط والتمكين

كيف يجري التخطيط لديكم في المركز للانتقال من الاستجابة للاحتياج الآني إلى مقاربات أوسع تعزز التمكين والاستقرار الأسري للمجتمع القطري على المدى المتوسط والطويل؟
نعمل وفق مقاربة تخطيطية تُوازن بين الاستجابة السريعة للحالات الطارئة وبين بناء مسارات تمكين واستقرار على المدى المتوسط والطويل. هذا يظهر في تنويع برامجنا ومشاريعنا، وفي اعتماد مؤشرات أداء وأثر، وجداول متابعة واضحة لكل مشروع، بما يضمن تحسينا مستمرا للنتائج. كما أن خطة 2026، التي تتضمن 32 مشروعا، تعكس توسعا نوعيا من “تلبية الاحتياج” إلى “تعزيز الاستقرار” عبر دعم التعليم والصحة والكفالات والرعاية الاجتماعية، بالشراكة مع الجهات الوطنية ذات الصلة.

الرؤية المستقبلية

ما أبرز طموحات مركز “الأقربون” خلال المرحلة القادمة؟ وإلى أين تتجهون في تطوير خدماتكم من حيث التوسع النوعي، أو التحول الرقمي، أو تعزيز الاستدامة الاجتماعية؟
طموحنا في المرحلة القادمة هو ترسيخ المركز كمرجع وطني في الرعاية الاجتماعية داخل قطر، من خلال توسع نوعي في البرامج، ومزيد من التركيز على التمكين والاستدامة. سنتجه إلى تعزيز التحول الرقمي في إجراءات الاستحقاق والتحقق، ورفع جودة البيانات، وتسريع تقديم الخدمة عبر التكامل مع المنصات الرسمية، إلى جانب تطوير الشراكات مع الجهات الحكومية والقطاع الخاص والمجتمع. كما سنواصل تنفيذ خطة 2026 ببرامجها المتنوعة لضمان أثر ملموس ومستدام على الأسر والفئات الأكثر احتياجًا