في خطوة وُصفت بأنها من الأبرز في مسار تطوير أنظمة كفالة الأيتام، أعلنت قطر الخيرية رفع سن كفالة الأيتام إلى 23 عاما، في قرار يتجاوز طابعه الإداري الخاص ليطرح نقاشا جوهريا حول مفهوم الرعاية وحدودها، ومعنى التمكين الحقيقي في مرحلة ما بعد البلوغ القانوني.
القرار أعاد تسليط الضوء على مرحلة غالبا ما تُعد الأكثر حساسية في حياة اليتيم؛ وهي المرحلة الواقعة بين الثامنة عشرة وبداية الاستقرار التعليمي والمهني، حيث تتقاطع تحديات الدراسة، وتكوين الهوية، والاستقلال الاقتصادي، والاستقرار النفسي والاجتماعي. وهو ما فتح تساؤلات عميقة حول مدى كفاية النماذج التقليدية للكفالة، وقدرتها على ضمان عبور آمن للأيتام من الرعاية إلى الاعتماد على الذات.
ولمناقشة أبعاد هذا القرار ودلالاته العملية والفكرية، خصصت “غراس” هذه الندوة التي جمعت بين الرؤية المؤسسية، والخبرة الاستشارية، والمنظور الاتحادي المرجعي، بمشاركة كل من د. حياة الله عتيد نائب رئيس مجلس الإدارة في اتحاد رعاية الأيتام، ود. يوسف سعادة المستشار في مجال الطفولة والرعاية الاجتماعية، والسيدة فاطمة جمعة المهندي مساعد مدير إدارة الرعاية الاجتماعية في قطر الخيرية.
وفيما يلي تفاصيل نقاشات الندوة:
المعيار الحقيقي للكفالة
كيف تقيّمون قرار رفع سن كفالة الأيتام، وهل كان هناك ضرورة جدية لاتخاذه، ولماذا؟
انطلقت مداخلات المشاركين من قناعة مشتركة مفادها أن سن الثامنة عشرة، رغم كونه حدا قانونيا للرشد في كثير من التشريعات، لا يمثل بالضرورة نقطة الجاهزية الفعلية لمواجهة متطلبات الحياة. فواقع التعليم، وطبيعة سوق العمل، والتحولات الاجتماعية المتسارعة، تجعل من مرحلة ما بعد الثامنة عشرة واحدة من أكثر المراحل هشاشة وحساسية في مسار الشباب عموما، ولدى الأيتام على وجه الخصوص.

من منظور تنسيقي واتحادي، أوضح د. حياة الله عتيد أن رفع سن الكفالة إلى 23 عاما يحمل دلالة فكرية عميقة، لأنه يعكس تحولا في النظرة إلى اليتيم، من كونه “ملف رعاية” يُغلق عند رقم قانوني محدد، إلى كونه إنسانا يمر بمسار نموٍّ متكامل يحتاج إلى مواكبة واعية حتى يبلغ حدا معقولا من الاستقرار النفسي والاجتماعي والاقتصادي. وأشار إلى أن الخبرات الميدانية في عدد من الدول أظهرت أن التوقف المفاجئ للدعم عند سن 18 عاما يخلق فجوة حرجة قد تفضي إلى تعثر تعليمي، أو هشاشة اقتصادية، أو ارتباك نفسي واجتماعي، لا سيما في ظل غياب شبكات دعم أسرية قادرة على التعويض.
وأكد أن أهمية هذه الخطوة لا تكمن فقط في رفع الرقم من 18 إلى 23عاما، بل في الرسالة المؤسسية والفكرية التي تحملها، وهي أن الكفالة ليست إحسانا مؤقتا، بل مسؤولية ممتدة تهدف إلى بناء إنسان قادر على الاعتماد على نفسه والمشاركة في مجتمعه بفاعلية. واعتبر أن هذا التوجه جدير بأن يُدرَس ويُحتذى به في منظومات كفالة الأيتام العربية والإسلامية، شرط أن يُطبّق ضمن أطر واضحة تراعي الخصوصيات الوطنية والقدرات المؤسسية.
هذا الطرح التقى مع رؤية د. يوسف سعادة، الذي أكد أن قرار رفع سن الكفالة ينسجم تماما مع المنظور الإنساني والشرعي للكفالة، مشيرا إلى أن الحاجة هي معيار الكفالة الحقيقي، لا العمر وحده. وبيّن أن مقاصد الشريعة في هذا الباب ترتكز على دفع الحاجة ودرء المفسدة، وهي مقاصد لا تتوقف ببلوغ اليتيم سن الرشد، بل تمتد إلى أن يتمكّن من كفاية نفسه، أو تصل أسرته إلى حد من الاستقرار يخفف عنه عبء الاعتماد.
وأضاف أن الحاجة إلى استمرار الرعاية تكون أشد وضوحا لدى الأيتام المقيمين في دور الإيواء، ولا سيما مجهولي الوالدين، نظرا لافتقادهم الإسناد الأسري، فضلا عن خصوصية الفتيات اليتيمات اللواتي يحتجن إلى قدر أطول من الاستقرار والدعم حتى استكمال التعليم أو الاستعداد للحياة الأسرية أو المهنية.
من جانبها، قدمت السيدة فاطمة جمعة المهندي قراءة تطبيقية تعكس منظور الجمعية التي اتخذت القرار، مؤكدة أن قطر الخيرية تنطلق في رؤيتها من اعتبار الكفالة مسارا تنمويا متكاملا، لا مجرد دعم مالي مرحلي. وأوضحت أن سنوات العمل الميداني والمتابعة كشفت أن المرحلة الممتدة من 15 إلى 23 عاما هي الأخطر والأكثر تأثيرا في تشكيل مستقبل اليتيم، إذ تتداخل فيها تحديات التعليم، وبناء الهوية، والاستقلال الاقتصادي، والاستقرار النفسي والاجتماعي.
وبيّنت أن إنهاء الكفالة عند 18 عاما كان يضع كثيرا من الأيتام أمام التزامات تفوق طاقتهم الواقعية، في مرحلة لا يزالون فيها طلاب علم أو شبابا في بدايات التكوين المهني، الأمر الذي كان يؤدي في بعض الحالات إلى انقطاع تعليمي أو ضغوط نفسية واجتماعية حادة.
هندسة منظومة الرعاية
هل يمكن اعتبار رفع سن الكفالة خطوة تحول كاملة من نموذج الرعاية إلى نموذج التمكين؟ أم أنه يحتاج إلى سياسات وبرامج مكملة؟ وما أهمها؟
عند الانتقال إلى سؤال التحول من الرعاية إلى التمكين، بدا واضحا أن الإجماع لا ينصب على الاكتفاء بتمديد عمر الكفالة، بل على ضرورة إعادة هندسة منظومة الرعاية بالكامل.
ففي رأي د. حياة الله عتيد، يمثل رفع سن الكفالة خطوة كبيرة في الاتجاه الصحيح، لكنه لا يشكّل بمفرده تحولا كاملا نحو التمكين. فالتمكين، في جوهره، ليس مدة زمنية أطول، بل إعادة تصميم لمسار الرعاية بحيث يقود اليتيم تدريجيا من الاعتماد إلى القدرة، ومن الاحتياج إلى الكفاءة، ومن الهشاشة إلى الاستقرار. وأكد أن النجاح الحقيقي يقاس بقدرة الشاب أو الشابة، عند انتهاء الكفالة، على اتخاذ القرار المستقل، والاندماج الإيجابي في المجتمع، وبناء حياة قائمة على الاعتماد على الذات.
واتفق معه د. يوسف سعادة، موضحا أن رفع سن الكفالة يفرض على الجمعيات الخيرية ودور الرعاية مراجعة نماذج عملها، وتطوير برامج وخدمات تتلاءم مع احتياجات هذه الفئة العمرية، مثل برامج الدعم الجامعي والمهني، والإعداد لسوق العمل، وريادة الأعمال، والإرشاد النفسي والاجتماعي، بل وحتى برامج التهيئة للزواج. كما شدد على أهمية الاستثمار في بناء قدرات الكوادر البشرية العاملة مع الأيتام، حتى تكون قادرة على إدارة هذا التحول بكفاءة ومهنية.
وفي السياق نفسه، شددت السيدة فاطمة المهندي على أن قرار رفع السن يمثل الإطار الحامي للتمكين، لكنه لا يحقق أهدافه دون سياسات وبرامج مكمّلة، تشمل بناء المهارات الحياتية، والتوجيه الأكاديمي والمهني، والدعم النفسي والاجتماعي، مؤكدة أن التمكين الحقيقي يتحقق عندما يتمكن اليتيم من إكمال تعليمه دون انقطاع، واكتساب مؤهلات تتيح له دخول سوق العمل بكرامة، والانتقال تدريجيا من دائرة الحاجة إلى دائرة الإنتاج والمساهمة.

نموذج مرجعي
كيف ترون البعد المؤسسي والتطبيقي لقرار رفع سن الكفالة؟
وفي تعميق النقاش حول أبعاد القرار، تميّزت مداخلة السيدة فاطمة جمعة المهندي بإبراز الجانب المؤسسي والتطبيقي، حيث أوضحت أن رفع سن الكفالة لم يكن قرارا منفصلا أو استجابة ظرفية، بل جاء نتيجة تراكم خبرة ميدانية طويلة للجمعية، وقراءة دقيقة لمسارات الأيتام بعد سن الثامنة عشرة. وأشارت إلى أن قطر الخيرية لاحظت أن هذه المرحلة تمثل مفترق طرق حاسما، خاصة من حيث استكمال التعليم الجامعي أو المهني، وأن أي انقطاع في الدعم خلالها يهدد بهدر سنوات من الاستثمار التربوي والاجتماعي.
وبيّنت أن رفع سن الكفالة مكّن المؤسسة من الانتقال من منطق “سد الاحتياج” إلى منطق “مرافقة المسار”، عبر ضمان استمرارية الدعم حتى تتبلور هوية اليتيم التعليمية والمهنية والاجتماعية. كما أكدت أن هذا القرار انعكس إيجابا على الأسر الحاضنة، إذ خفف عنها عبئا اقتصاديا ونفسيا كبيرا كان يقع عليها فور بلوغ المكفول سن الرشد.
من جهته، رأى د. يوسف سعادة أن هذا البعد التطبيقي يجسد ما تحتاجه منظومات الكفالة اليوم، محذرا من الاكتفاء بإطالة أمد الرعاية دون محتوى تمكيني حقيقي، فيما شدد د. حياة الله عتيد على أن تجربة قطر الخيرية، بما تحمله من وضوح في الرؤية وربط بين القرار والسياسات، يمكن أن تشكل نموذجا مرجعيا تستفيد منه جمعيات أخرى، شرط أن يُنظر إليها بوصفها منظومة متكاملة لا إجراء منفردا.
سدّ الفجوات
ما الفجوات التي لاحظتموها في أنظمة كفالات الأيتام الحالية في الجمعيات الخيرية؟ وما أهم الإصلاحات والأمور التطويرية المطلوبة لتفعيل نقل الأيتام وأسرهم من الرعاية إلى التمكين المستدام؟
في تشخيص الفجوات، قدّم د. حياة الله عتيد قراءة شاملة من واقع العمل القطاعي، مشيرا إلى أن كثيرا من أنظمة كفالة الأيتام ما زالت تعمل بمنطق الرعاية الجزئية والصرف المالي، مع ضعف الاستثمار في الجوانب النفسية والمهارية والاجتماعية. ولفت إلى غياب المراحل الانتقالية المدروسة بعد سن المراهقة، وضعف التفريد في التعامل مع الأيتام، فضلا عن قصور أنظمة المتابعة وقياس الأثر.
وأضاف د. يوسف سعادة أن هذا التطور النسبي في الحوكمة وكفاءة الإنفاق لا يلغي فجوات جوهرية، أبرزها ضعف برامج التمكين الاقتصادي، والدعم النفسي والاجتماعي، وقلة توظيف أدوات التنمية الحديثة مثل الابتكار الاجتماعي، والإدارة المبنية على النتائج، وقياس الأثر، إضافة إلى ضعف الجاهزية المؤسسية للتحول نحو نهج تمكيني مستدام.
ومن منظور مؤسسي، أكدت السيدة فاطمة المهندي أهمية إعادة النظر في أنظمة الكفالة لتصبح مسارات تنموية مرنة وشاملة، تراعي اختلاف السياقات التعليمية والاجتماعية للأيتام وأسرهم، وتعزز الربط بين الكفالة والتعليم والتشغيل، مع التركيز على تمكين الأسرة بوصفها حاضنة أساسية لاستقرار اليتيم.

خلاصة: خطوة رائدة ومسؤولية ممتدة
يجمع المشاركون في ندوة “غراس” ـ العدد34 ـ على أن رفع سن كفالة الأيتام إلى 23 عاما يمثل مبادرة رائدة ذات دلالة أخلاقية ومؤسسية عميقة، تفتح الباب أمام إعادة التفكير في فلسفة الكفالة ذاتها. غير أن القيمة الحقيقية لهذه الخطوة تتجسد في قدرتها على أن تكون مدخلا لتحول أوسع، يستند إلى سياسات واضحة، وبرامج نوعية، ومعايير مهنية، تجعل من الكفالة منظومة بناء وتمكين، لا مجرد دعم مؤقت ينتهي عند حدٍّ عمري.
وفي عالم تتعاظم فيه التحديات الاجتماعية والاقتصادية، يبقى الرهان الأكبر هو الانتقال من كفالة تُبقي اليتيم داخل دائرة الاحتياج، إلى كفالة تساعده على مغادرتها بثقة وكرامة واقتدار؛ وهو الرهان الذي تضع هذه الخطوة قطر الخيرية في قلبه، داعية بقية الفاعلين في هذا القطاع إلى مسار أكثر نضجا وتكاملا ومسؤولية.
أعدّ الندوة وأدارها: علي الرشيد






